الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

247

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ارتكاب المعصية ، بل إنهم قادرون على إتيانها ، غير أنهم يعفون أنفسهم ويجلونها عن التلوث بها باختيارهم ، ويغضون الطرف عنها طوعا ، تماما كالطبيب الحاذق الذي لا يتناول مطلقا مادة سمية جدا وهو يعلم الأخطار التي تنجم عن تناولها ، ومع أنه قادر على تناولها ، إلا أن علومه واطلاعه ومبادئه الفكرية والروحية تدفعه إلى الامتناع إراديا واختيارا عن هذا العمل . ويجب التذكير بهذه المسألة ، وهي أن هذه التقوى موهبة خاصة منحت للأنبياء لا للآخرين ، لكن الله سبحانه قد منحهم إياها للمسؤوليات الثقيلة الخطيرة الملقاة على عاتقهم في قيادة الناس وإرشادهم ، وبناء على هذا فإنه امتياز يعود نفعه على الجميع ، وهذه عين العدالة ، تماما كالامتياز الخاص الذي منحه الله لطبقات العين وأغشيتها الرقيقة والحساسة جدا ، والتي يستفيد منها جميع البدن . إضافة إلى أن الأنبياء تعظم مسؤولياتهم وواجباتهم بنفس المقدار الذي يتمتعون بهذا المواهب الإلهية والامتيازات ، فإن ترك الأولى من قبلهم يعادل ذنبا كبيرا يصدر من الناس العاديين ، وهذا معيار وتشخيص لخط العدالة . والنتيجة أن هذه الإرادة إرادة تكوينية في حدود المقتضى - وليست علة تامة - وهي في الوقت نفسه لا توجب الجبر ولا تسلب الاختيار والإرادة الإنسانية . 3 4 - جاهلية القرن العشرين ! مرت الإشارة إلى أن جمعا من المفسرين تورطوا في تفسير ( الجاهلية الأولى ) وكأنهم لم يقدروا أن يصدقوا ظهور جاهلية أخرى في العالم بعد ظهور الإسلام ، وأن جاهلية العرب قبل الإسلام ضئيلة تجاه الجاهلية الجديدة ، إلا أن هذا الأمر قد تجلى للجميع اليوم ، حيث نرى مظاهر جاهلية القرن العشرين المرعبة ، ويجب أن تعد تلك إحدى تنبؤات القرآن الإعجازية . إذا كان العرب في زمان الجاهلية يغيرون ويحاربون ، وإذا كان سوق عكاظ -