الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

124

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهنا تذكر الآية صفتين أخريين لهؤلاء هما : " الخوف " و " الرجاء " ، فلا يأمنون غضب الله عز وجل ، ولا ييأسون من رحمته ، والتوازن بين الخوف والرجاء هو ضمان تكاملهم وتوغلهم في الطريق إلى الله سبحانه ، والحاكم على وجودهم دائما ، لأن غلبة الخوف تجر الإنسان إلى اليأس والقنوط ، وغلبة الرجاء تغري الإنسان وتجعله في غفلة ، وكلاهما عدو للإنسان في سيره التكاملي إلى الله سبحانه . وثامن صفاتهم ، وآخرها في الآية أنهم ومما رزقناهم ينفقون . فهم لا يهبون من أموالهم للمحتاجين وحسب ، بل ومن علمهم وقوتهم وقدرتهم ورأيهم الصائب وتجاربهم ورصيدهم الفكري ، فيهبون منها ما يحتاج إليه الغير . إنهم ينبوع من الخير والبركة ، وعين فوارة من ماء الصالحات العذب الصافي الذي يروي العطاشى ، ويغني المحتاجين بحسب استطاعتهم . نعم . . إن أوصاف هؤلاء مجموعة من العقيدة الرصينة الثابتة ، والإيمان القوي والعشق الملتهب لله ، والعبادة والطاعة ، والسعي والحركة الدؤوبة ، ومعونة عباد الله في كل المجالات . ثم تطرقت الآية التالية إلى الثواب العظيم للمؤمنين الحقيقيين الذين يتمتعون بالصفات المذكورة في الآيتين السابقتين ، فتقول بتعبير جميل يحكي الأهمية الفائقة لثوابهم : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون . التعبير ب‍ فلا تعلم نفس وكذلك التعبير ب‍ قرة أعين مبين لعظمة هذه المواهب والعطايا التي لا عد لها ولا حصر ، خاصة وأن كلمة ( نفس ) قد وردت بصيغة النكرة في سياق النفي ، وهي تعني العموم وتشمل كل النفوس حتى ملائكة الله المقربين وأولياء الله . والتعبير ب‍ قرة أعين من دون الإضافة إلى النفس ، إشارة إلى أن هذه النعم