الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
125
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الإلهية التي خصصت كثواب وجزاء للمؤمنين المخلصين في الآخرة ، في هيئة تكون معها قرة لعيون الجميع . ( قرة ) مادة القر ، أي البرودة ، ومن المعروف أن دموع الشوق باردة دائما ، وأن دمع الغم والحسرة حار محرق ، فالتعبير ب قرة أعين يعني في لغة العرب الشئ الذي يسبب برودة عين الإنسان ، أي أن دموع الشوق والفرح تجري من أعينهم ، وهذه كناية لطيفة عن منتهى الفرح والسرور والسعادة . وفي حديث عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) : " إن الله يقول : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " ( 1 ) . وثمة سؤال طرحه المفسر الكبير العلامة " الطبرسي " في ( مجمع البيان ) وهو : لماذا أخفي هذا الثواب والجزاء ؟ ثم يذكر ثلاثة أجوبة لهذا السؤال : 1 - أن الأمور المهمة والقيمة لا يمكن إدراك حقيقتها بسهولة من خلال الألفاظ والكلام ، ولذلك فإن إخفاءها وإبهامها يكون أحيانا أكثر تحفيزا ، وأبعث على النشاط ، وهو أبلغ من ناحية الفصاحة . 2 - أن الشئ الذي يكون قرة للأعين ، يكون عادة مترامي الأطراف إلى الحد الذي لا يصل علم ابن آدم إلى جميع خصوصياته . 3 - لما كان هذا الجزاء قد جعل لصلاة الليل المستورة ، فإن المناسب أن يكون ثواب هذا العمل عظيما ومخفيا أيضا . وينبغي الالتفات إلى أن جملة تتجافى جنوبهم عن المضاجع في الآية السابقة إشارة إلى صلاة الليل . وفي حديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " ما من حسنة إلا ولها ثواب مبين في القرآن ، إلا صلاة الليل ، فإن الله عز اسمه لم يبين ثوابها لعظم خطرها ، قال : فلا تعلم
--> 1 - نقل هذا الحديث كثير من المفسرين ، ومن جملتهم الطبرسي في مجمع البيان ، والآلوسي في روح المعاني ، والقرطبي في تفسيره . وقد أورده المحدثان المشهوران البخاري ومسلم في كتبهما أيضا .