الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

123

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وبالرغم من أن الآيات هنا ذكرت بصورة مطلقة ، ولكن من المعلوم أن المراد منها غالبا الآيات التي تدعو إلى التوحيد ومحاربة الشرك . 2 - 3 - علامتهم الثانية والثالثة تسبيح الله وحمده ، فهم ينزهون الله تعالى عن النقائص من جهة ، ومن جهة أخرى فإنهم يحمدونه ويثنون عليه لصفات كماله وجماله . 4 - والصفة الأخرى لهؤلاء هي التواضع وترك كل أنواع التكبر ، لأن الكبر والغرور أول درجات الكفر والجحود ، والتواضع أمام الحق والحقيقة أولى خطوات الإيمان ! إن الذين يسيرون في طريق الكبر والعجب لا يسجدون لله ، ولا يسبحونه ولا يحمدونه ، ولا يعترفون بحقوق عباده ! إن لهؤلاء صنما عظيما ، وهو أنفسهم ! ثم أشارت الآية الثانية إلى أوصاف هؤلاء الأخرى ، فقالت : تتجافى جنوبهم عن المضاجع ( 1 ) فيقومون في الليل ، ويتجهون إلى ربهم ومحبوبهم ويشرعون بمناجاته وعبادته . نعم . . إن هؤلاء يستيقظون ويحيون قدرا من الليل في حين أن عيون الغافلين تغط في نوم عميق ، وحينما تتعطل برامج الحياة العادية ، وتقل المشاغل الفكرية إلى أدنى مستوى ، ويعم الهدوء والظلام كل الأرجاء ، ويقل خطر التلوث بالرياء في العبادة ، والخلاصة : عند توفر أفضل الظروف لحضور القلب ، فإنهم يتجهون بكل وجودهم إلى معبودهم ، ويطأطئون رؤوسهم عند أعتاب معشوقهم ، ويخبرونه بما في قلوبهم ، فهم أحياء بذكره ، وكؤوس قلوبهم طافحة بحبه وعشقه . ثم تضيف : يدعون ربهم خوفا وطمعا .

--> 1 - " تتجافى " من مادة " جفا " ، وهي في الأصل بمعنى القطع والحمل والإبعاد ، و ( الجنوب ) جمع جنب ، وهو الجانب ، و ( المضاجع ) جمع مضجع ، وهو محل النوم ، وإبعاد الجانب عن محل النوم كناية عن النهوض من النوم والتوجه إلى عبادة الله في جوف الليل .