الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

438

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

2 التفسير 3 لابد من الهجرة : حيث أن الآيات السابقة كانت تتحدث عن مواقف المشركين المختلفة من الإسلام والمسلمين ، ففي الآيات محل البحث يقع الكلام عن حال المسلمين ومسؤولياتهم قبال المشاكل المختلفة ، أي مشاكل أذى الكفار وضغوطهم وقلة عدد المسلمين وما إلى ذلك ، فتقول الآية الأولى : يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون . وبديهي أن هذا ليس قانونا خاصا بمؤمني أهل مكة ، ولا يحدد سبب النزول مفهوم الآية الواسع المنسجم مع الآيات الأخرى . . . فعلى هذا لو سلب الإنسان حريته في أي عصر أو زمان ومكان بشكل كامل ، فإن بقاءه هناك لا يجلب عليه إلا الذل " والخسران والضرر " والابتعاد عن أداء المناسك الإلهية ، فوظيفة الإنسان المسلم عندئذ الهجرة إلى منطقة " حرة " يستطيع أن يؤدي فيها وظائفه الإسلامية بحرية تامة أو حرية نسبية . وبتعبير آخر : إن الهدف من خلق الإنسان أن يكون عبدا لله ، عبودية هي في الواقع سبب للحرية والكرامة والانتصار في جميع الجهات . . . وجملة فإياي فاعبدون إشارة إلى هذا المعنى ، كما ورد هذا التعبير في الآية ( 56 ) من سورة الذاريات وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . فمتى ما أصبح هذا الهدف الأساسي والنهائي مستحيلا ، فلا سبيل عندئذ إلا الهجرة ، فأرض الله واسعة ، وينبغي أن يهاجر الفرد نحو منطقة أخرى ، ولا يكون أسيرا لمفاهيم " القبلية والقومية والوطنية والبيت والأهل " في مثل هذه الموارد ، ولا يذل الإنسان نفسه من أجلها ، فإن احترام هذه الأمور هو فيما لو كان الهدف الأصلي قائما غير مخاطر به ، أما إذا أصبح الهدف الأصلي " عبادة الله " مخاطرا به فلا سبيل إلا الهجرة !