الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
439
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وفي مثل هذه الموارد يقول الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) : " ليس بلد بأحق بك من بلدك ، خير البلاد ما حملك " ( 1 ) . صحيح أن حب الوطن والعلاقة بمسقط الرأس جزء من طبيعة كل إنسان ، ولكن قد يتفق أن تحدث في حياة الإنسان مسائل أهم من تلك ا لأمور ، فتجعلها تحت شعاعها وتكون أولى منها . وفي مجال موقف الإسلام ونظرته من مسألة الهجرة والروايات الواردة في هذا الصدد ، كان لنا بحث مفصل في ذيل الآية ( 100 ) من سورة النساء . والتعبير ب يا عبادي هو أكثر التعابير رأفة وحبا للناس من قبل خالقهم . وتاج للفخر أعلى حتى من مقام الرسالة والخلافة ، كما نذكر ذلك في التشهد حيث نقدم العبودية على الرسالة دائما " أشهد أن محمدا عبده ورسوله " . من الطريف أنه حين خلق الله آدم لقبه ب " خليفة الله " ، وهو فخر لآدم ، إلا أن الشيطان لم ييأس من التسويل والوسوسة له ، فكان ما كان ، ولكن حين بوأه مقام العبودية أذعن الشيطان له ويئس من إغوائه وقال : فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين . ( 2 ) والله سبحانه ضمن هذا الأمر فقال : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان . ( 3 ) ويتضح مما ذكرناه - بصورة جيدة - أن المراد بالعباد ليس جميع الناس - في الآية محل البحث - بل هم المؤمنون منهم فحسب ، وجملة الذين آمنوا جاءت للتأكيد والتوضيح ( 4 ) . وحيث أن البعض بقوا في ديار الشرك ، ولم يرغبوا بالهجرة بذريعة أنهم
--> 1 - الكلمات القصار ، رقم 442 . 2 - سورة ص الآيتان 82 ، 83 . 3 - سورة الحجر ، الآية 42 . 4 - جملة " فإياي فاعبدون " عطف على جزاء جملة الشرط المحذوف والتقدير " إن ضاقت بكم الأرض فهاجروا منها إلى غيرها وإياي فاعبدون " .