الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
36
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
العلم والمعرفة فهو وارثهم الأصيل . . . بصرف النظر عن الأموال التي يرثها عنهم ، ثم إن هذا الحديث منقول في المعنى ، وعبر عنه تعبيرا سيئا ويحتمل أن يكون ( ما تركناه صدقة ) المستنبط من بعض الروايات مضاف عليه . ولكي لا يطول بنا الكلام ننهي كلامنا ببحث للمفسر المعروف من أهل السنة " الفخر الرازي " الذي أورده ذيل الآية ( 11 ) من سورة النساء إذ يقول : من تخصيصات هذه الآية " آية الإرث " ما هو مذهب أكثر المجتهدين ، أن الأنبياء ( عليهم السلام ) لا يورثون ، والشيعة خالفوا فيه . . روي أن فاطمة ( عليها السلام ) لما طلبت الميراث ومنعوها منه احتجوا بقوله ( عليه السلام ) : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث . . ما تركناه صدقة " . . فعند هذا احتجت فاطمة ( عليها السلام ) بعموم قوله : للذكر مثل حظ الأنثيين وكأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد . ثم يضيف الفخر الرازي قائلا : إن الشيعة قالوا : بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، إلا أنه غير جائز هنا وبيانه من ثلاثة أوجه : " أحدها " : أنه على خلاف قوله تعالى حكاية عن زكريا ( عليه السلام ) : يرثني ويرث من آل يعقوب . . وقوله تعالى : وورث سليمان داود قالوا : ولا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم والدين ، لأن ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة ، بل يكون كسبا جديدا مبتدأ ، إنما التوريث لا يتحقق إلا في المال على سبيل الحقيقة . " وثانيها " : أن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلا فاطمة وعلي والعباس ، وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدين ، وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجا إلى معرفة هذه المسألة البتة ، لأنه ما كان يخطر بباله أن يرث من الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فكيف يليق بالرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ؟ ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة ؟ ! " وثالثها " : يحتمل أن قوله : " ما تركناه صدقة " صلة " لا نورث " والتقدير ( الذي تركناه صدقة ) فذلك الشئ ( لا يورث ) .