الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
319
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يكون معنى الجملة المتقدمة فناء جميع الموجودات عدا ذات الخالق المقدسة . . . وهذا الفناء بالنسبة للموجودات الممكنة غير منحصر بفناء هذا العالم وانتهائه ، فالموجودات الآن فانية قبال الذات المقدسة ، وهي تحتاج إلى فيضه لحظة بعد لحظة ، وليس لديها في ذاتها أي شئ ، وكل ما لديها فمن الله ! ثم بعد هذا كله فإن موجودات هذا العالم جميعها متغير وفي معرض التبدل ، وحتى طبقا لفلسفة " الحركة الجوهرية " فذاتها هي التغيير بعينه ، ونحن نعرف أن الحركة والتغيير معناهما الفناء والعودة الدائمية ، فكل لحظة تموت موجودات العالم وتحيا ! . فعلى هذا فإن الموجودات هالكة وفانية الآن - أيضا - غير أن الذات التي لا طريق الفناء إليها ولا تهلك ، هي الذات المقدسة ! كما نعلم أن الفناء أو العدم يتجلى بصورة واضحة في نهاية هذا العالم ، وكما يقول القرآن : كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام . ( 1 ) ولا يخص الفناء ما على الأرض ، بل يشمل حتى أهل السماء ونفخ في الصور فصعق من في السماوات والأرض . ( 2 ) فهذا التفسير منسجم مع ظاهر الآية والآيات الأخرى في القرآن ، غير أن بعض المفسرين ذكروا تفاسير أخرى غير ما تقدم بيانه ، ومنها : 1 - أن المقصود من كلمة ( وجه ) هو العمل الصالح ، ومفهوم هذه الآية يكون حينئذ أن جميع الأعمال تمضي مع الرياح سوى ما يكون خالصا لله . وقال بعضهم : إن المراد بالوجه هو انتساب الأشياء إلى الله ، فيكون مفهوم الآية أن كل شئ معدوم ذاتا إلا من ناحية انتمائه إلى الله ! وقال بعضهم : المراد بالوجه هو الدين ، فيكون مفهوم الآية أن المذاهب كلها
--> 1 - سورة الرحمن ، الآيتان 26 و 27 . 2 - سورة الزمر ، الآية 68 .