الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

22

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المعاندون ذريعة بوجه الأنبياء ، ليجعلوه سدا في طريق الآخرين ، والإتهام بنفسه دليل واضح على عظمة ما يصدر من الأنبياء خارقا للعادة ، بحيث اتهموه بالسحر . مع أننا نعرف أن الأنبياء كانوا رجالا صالحين صادقين طلاب حق مخلصين ، أما السحرة فهم منحرفون ماديون تتوفر فيهم جميع صفات المدلسين " أصحاب التزوير " . وإضافة إلى ذلك فإن السحرة كانت لديهم قدرة محدودة على الأعمال الخارقة ، إلا أن الأنبياء فقد كان محتوى دعوتهم ومنهاجهم وسلوكهم يكشف عن حقانيتهم ، وكانوا يقومون بأعمال غير محدودة ، بحيث كان ما يقومون به معجزا لا يشبه سحر السحرة أبدا . ومما يلفت النظر أن القرآن يضيف في آخر الآية - محل البحث - قائلا : إن هذا الاتهام لم يكن لأنهم كانوا في شك من أمرهم ومترددين فعلا ، بل كذبوا معاجز أنبيائهم مع علمهم بحقانيتها وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا . ويستفاد من هذا التعبير أن الإيمان له حقيقة وواقعية غير العلم واليقين ، ويمكن أن يقع الكفر جحودا وإنكارا بالرغم من العلم بالشئ ! . وبعبارة أخرى : إن حقيقة الإيمان هي الإذعان والتسليم - في الباطن والظاهر - للحق ، فبناء على ذلك إذا كان الإنسان مستيقنا بشئ ما ، إلا أنه لا يذعن له في الباطن أو الظاهر فليس له إيمان . بل هو ذو كفر جحودي ، وهذا موضوع مفصل ، ونكتفي هنا بهذه الإشارة . لذلك فإننا نقرأ حديثا عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) يذكر فيه ضمن عده أقسام الكفر الخمسة " كفر الجحود " ويبين بعض شعبه بالتعبير التالي ( هو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق قد استقر عنده ) . ( 1 )

--> 1 - الكافي ، ج 2 ، باب وجوه الكفر ص 287 .