السيد الطباطبائي
35
تفسير الميزان
يطلع من أفق ذواتهم من أثر خيرا أو شرا ينتهى إلى أمره ومشيته وإذنه يستند إليه على ما يليق بساحة قدسه وعزته من الاستناد . فالآيتان جميعا تتممان معنى واحدا ، وهو أن ما يصيب الانسان من خير أو شر فمن الله على ما يليق بساحته من الانتساب ، فالله سبحانه هو المتوحد بالألوهية ، والمتفرد بالمعبودية لا إله غيره ، ولا معبود سواه . وقد عبر عن إصابة الضر والخير بالمس الدال على الحقارة في قوله : ( إن يمسسك ) ( وإن يمسسك ) ليدل به على إن ما يصيب الانسان من ضر أو من خير شئ يسير مما تحمله القدرة غير المتناهية التي لا يقوم لها شئ ، ولا يطيقها ولا يتحملها مخلوق محدود . وكأن قوله تعالى في جانب الخير : ( فهو على كل شئ قدير ) وضع موضع نحو من قولنا : فلا مانع يمنعه ، ليدل على أنه تعالى قدير على كل خير مفروض كما أنه قدير على كل ضر مفروض ، وتنكشف به علة قوله : فلا كاشف له إلا هو إذ لو كشف غيره تعالى شيئا مما مس به من ضر دفع ذلك قدرته عليه ، وكذلك قدرته على كل شئ تقتضي أن لا يقوى شئ على دفع ما يمس به من خير . وتخصيص ما يمس به من ضر أو خير بالنبي صلى الله عليه وآله في هذه الآية نظير التخصيص الواقع في قوله : ( قل إني أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم ) ويفيد قوله : ( وهو القاهر فوق عباده ) من التعميم نظير ما أفاد قوله : ( من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ) . قوله تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ) القهر هو نوع من الغلبة ، وهو أن يظهر شئ على شئ فيضطره إلى مطاوعة أثر من الغالب يخالف ما للمغلوب من الأثر طبعا أو بنحوه من الافتراض كالماء يظهر على لنار فيقهرها على الخمود ، والنار تقهر الماء فتبخره أو تجفف رطوبته . وإذ كانت الأسباب الكونية إنما أظهرها الله سبحانه لتكون وسائط في حدوث الحوادث فتضع آثارها في مسبباتها ، وهى كائنة ما كانت مضطرة إلى مطاوعة ما يريده الله سبحانه فيها وبها ، يصدق عليها عامة إنها مقهورة لله سبحانه فالله قاهر عليها .