السيد الطباطبائي
36
تفسير الميزان
فالقاهر من الأسماء التي تصدق عليه تعالى كما تصدق على غيره ، غير أن بين قهره تعالى وقهر غيره فرقا ، وهو أن غيره تعالى من الأشياء إنما يقهر بعضها بعضا وهما مجتمعان من جهة مرتبة وجودهما ودرجة كونهما بمعنى أن النار تقهر الحطب على الاحتراق والاشتعال ، وهما معا موجودان طبيعيان يقتضى أحدهما بالطبع خلاف ما يقتضيه الاخر لكن النار أقوى في تحميل أثرها على الحطب منه من النار فهي تظهر عليه في تأثيرها بأثرها فيه . والله سبحانه قاهر لا كقهر النار الحطب ، بل هو قاهر بالتفوق والإحاطة على الاطلاق بمعنى أنا إذا نسبنا احراق جسم وإشعاله كالحطب مثلا إلى الله سبحانه فهو سبحانه قاهر عليه بالوجود المحدود الذي أوجده به ، قاهر عليه بالخواص والكيفيات التي أعطاها له وعبأه بها بيده ، قاهر عليه بالنار التي أوقدها لاحراقه وإشعاله ، وهو المالك لجميع ما للنار من ذات وأثر ، قاهر عليه بقطع عطية المقاومة للحطب ، ووضع الاحتراق والاشتعال موضعه فلا مقاومة ولا تعصى ولا جموح ولا شبه ذلك قبال إرادته ومشيته لكونها من أفق أعلى . فهو تعالى قاهر على عباده لكنه فوقهم لا كقهر شئ شيئا وهما متزاملان . وقد صدق القرآن الكريم هذا البحث بنتيجته فذكره اسما له تعالى في موضعين من هذه السورة وهما هذه الآية وآية ( 61 ) . وقيد الاسم في كلا الموضعين بقوله : ( فوق عباده ) والغالب في المحفوظ من موارد استعمال القهر هو أن يكون المغلوب من أولى العقل بخلاف الغلبة ، ولذا فسره الراغب بالتذليل ، والذلة في أولى العقل أظهر ، ولا يمنع ذلك من صحة صدقه في غير مورد أولى العقل بحسب الاستعمال أو بعناية . والله سبحانه قاهر فوق عباده يمسهم بالضر وبالخير ويذللهم لمطاوعته وقاهر فوق عباده فيما يفعلونه ويؤثرون به من أثر لأنه المالك لما ملكهم والقادر على ما عليه أقدرهم . ولما نسب في الآيتين إليه المس بالضر والخير ، وقد ينسبان إلى غيره ، ميز مقامه من مقام غيره بقوله في ذيل الآية : ( وهو الحكيم الخبير ) فهو الحكيم لا يفعل ما يفعل جزافا وجهلا ، الخبير لا يخطئ ولا يغلط كغيره .