السيد الطباطبائي

201

تفسير الميزان

مسير حياته كالشمعة الصغيرة يحملها طارق الليل المظلم لا ينتفع من نورها إلا أن يميز ما يضع عليه قدمه من الأرض . فما يتعلق به علم الانسان ناشب بوجوده متعلق بواقعيته بأطراف ثم بأطراف أطراف ، وهكذا كل ذلك في غيب من إدراك الانسان فلا يتعلق العلم بحقيقة معنى الكلمة بشئ إلا إذا كان متعلقا بجميع الغيوب في الوجود ، ولا يسع ذلك لمخلوق محدود مقدر إنسانا أو غيره إلا لله الواحد القهار الذي عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ، قال الله تعالى : " والله يعلم وأنتم لا تعلمون " ( البقرة : 216 ) فدل على أن من طبع الانسان الجهل فلا يرزق من العلم إلا محدودا مقدرا كما قال تعالى : " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " ( الحجر : 21 ) وهو قوله عليه السلام : حيث سئل عن علة احتجاب الله عن خلقه فقال : لأنه بناهم بنية على الجهل ، وقال تعالى : " ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء " ( البقرة : 255 ) فدل على أن العلم كله لله ، وإنما يحيط منه الانسان بما شاء الله ، وقال تعالى : " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " ( الاسراء : 85 ) فدل على أن هناك علما كثيرا لم يؤت الانسان إلا قليلا منه . فإذن حقيقة الامر أن العلم حق العلم لا يوجد عند غير الله سبحانه ، وإذ كان يوم القيامة يوما يظهر فيه الأشياء بحقائقها على ما تفيده الآيات الواصفة لامره فلا مجال فيه إلا للكلام الحق كما قال تعالى : " لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ، ذلك اليوم الحق " ( النبأ : 39 ) كان من الجواب الحق إذا ما سئل الرسل فقيل لهم : " ما ذا أجبتم " أن يجيبوا بنفي العلم عن أنفسهم لكونه من الغيب ، ويثبتوه لربهم سبحانه بقولهم : " لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب " . وهذا الجواب منهم عليهم السلام نحو خضوع لحضرة العظمة والكبرياء واعتراف بحاجتهم الذاتية وبطلانهم الحقيقي قبال مولاهم الحق رعاية لأدب الحضور وإظهارا لحقيقة الامر ، وليس جوابا نهائيا لا جواب بعده البتة : أما أولا فلان الله سبحانه جعلهم شهداء على أممهم كما ذكره في قوله : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " ( النساء : 41 ) وقال : " ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء " ( الزمر : 69 ) ولا معنى لجعلهم شهداء