السيد الطباطبائي
202
تفسير الميزان
إلا ليشهدوا على أممهم يوم القيامة بما هو حق الشهادة يومئذ ، فلا محالة هم سيشهدون يومئذ كما قدر الله ذلك فقولهم يومئذ : " لا علم لنا " جرى على الأدب العبودي قبال الملك الحق الذي له الامر والملك يومئذ ، وبيان لحقيقة الحال وهو أنه هو يملك العلم لذاته ولا يملك غيره إلا ما ملكه ، ولا ضير أن يجيبوا بعد هذا الجواب بمالهم من العلم الموهوب المتعلق بأحوال أممهم ، وهذا مما يؤيد ما قدمناه في البحث عن قوله تعالى : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ، الآية " ( البقرة : 143 ) في الجزء الأول من هذا الكتاب : أن هذا العلم والشهادة ليسا من نوع العلم والشهادة المعروفين عندنا وأنهما من العلم المخصوص بالله الموهوب لطائفة من عباده المكرمين . وأما ثانيا فلان الله سبحانه أثبت العلم لطائفة من مقربي عباده يوم القيامة على ما له من الشأن ، قال تعالى : " وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث " ( الروم : 56 ) وقال تعالى : " وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم " ( الأعراف : 46 ) وقال تعالى : " ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون " ( الزخرف : 87 ) وعيسى بن مريم عليه السلام ممن تعمه الآية وهو رسول فهو ممن يشهد بالحق وهم يعلمون ، وقال تعالى : " وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا " ( الفرقان : 31 ) والمراد بالرسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي تحكيه الآية من قوله هو بعينه جواب لما تشتمل عليه هذه الآية من السؤال أعني قوله تعالى : " فيقول ما ذا أجبتم " فظهر أن قول الرسل عليهم السلام : " لا علم لنا " ليس جوابا نهائيا كما تقدم . وأما ثالثا فلان القرآن يذكر السؤال عن المرسلين والمرسل إليهم جميعا كما قال تعالى : " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " ( الأعراف : 6 ) ثم ذكر عن الأمم المرسل إليهم جوابات كثيرة عن سؤالات كثيرة ، والجواب يستلزم العلم كما أن السؤال يقرره ، وقال أيضا فيهم : " لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " ( ق : 22 ) ، وقال أيضا : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون " ( السجدة : 12 ) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة ، وإذا كانت الأمم - وخاصة المجرمون منهم - على علم في هذا اليوم فكيف يتصور أن يعدمه الرسل الكرام عليهم السلام فالمصير إلى ما قدمناه .