السيد الطباطبائي
104
تفسير الميزان
أمعنا في حقيقة معناها وجدناها مبنية على أساس توحيد الصانع ، وإثبات شفعاء عنده ، ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) وإن انحرفت بعد عن مجراها ، وآل أمرها إلى إعطاء الاستقلال والأصالة لآلهة دون الله . والفطرة الداعية إلى توحيد الاله وإن كانت تدعو إلى إله واحد غير محدود العظمة والكبرياء ذاتا وصفة - على ما تقدم بيانه بالاستفادة من الكتاب العزيز - غير أن الفة الانسان وأنسه في ظرف حياته بالآحاد العددية من جانب ، وبلاء المليين بالوثنيين والثنويين وغيرهم لنفى تعدد الالهة من جانب آخر سجل عددية الوحدة وجعل حكم الفطرة المذكورة كالمغفول عنه . ولذلك ترى المأثور من كلمات الفلاسفة الباحثين في مصر القديم واليونان وإسكندرية وغيرهم ممن بعدهم يعطى الوحدة العددية حتى صرح بها مثل الرئيس أبى علي بن سينا في كتاب الشفاء ، وعلى هذا المجرى يجرى كلام غيره ممن بعده إلى حدود الألف من الهجرة النبوية . وأما أهل الكلام من الباحثين فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطى أزيد من الوحدة العددية أيضا في عين أن هذه الحجج مأخوذة من الكتاب العزيز عامة ، فهذا ما يتحصل من كلمات أهل البحث في هذه المسألة . فالذي بينه القرآن الكريم من معنى التوحيد أول خطوة خطيت في تعليم هذه الحقيقة من المعرفة ، غير أن أهل التفسير والمتعاطين لعلوم القرآن من الصحابة والتابعين ثم الذين يلونهم أهملوا هذا البحث الشريف ، فهذه جوامع الحديث وكتب التفسير المأثورة منهم لا ترى فيها أثرا من هذه الحقيقة لا ببيان شارح ، ولا بسلوك استدلالي . ولم نجد ما يكشف عنها غطاءها إلا ما ورد في كلام الإمام علي بن أبي طالب عليه أفضل السلام خاصة ، فإن كلامه هو الفاتح لبابها ، والرافع لسترها وحجابها على أهدى سبيل وأوضح طريق من البرهان ، ثم ما وقع في كلام الفلاسفة الاسلاميين بعد الألف الهجري ، وقد صرحوا بأنهم إنما استفادوه من كلامه عليه السلام . وهذا هو السر في اقتصارنا في البحث الروائي السابق على نقل نماذج من غرر كلامه عليه السلام الرائق ، لان السلوك في هذه المسألة وشرحها من مسلك الاحتجاج