السيد الطباطبائي
340
تفسير الميزان
لمصالح حياتهم كما يبينه بأوفى البيان قوله تعالى : " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " الروم : 30 . وبهذه الآية يكمل بيان عموم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشمول الدعوة الاسلامية لعامة البشر فقوله : " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين " الخ يشير إلى أنه كان من الواجب في سنة الهداية الإلهية أن تتم الحجة على من كفر بالدعوة من أهل الكتاب والمشركين ، وهؤلاء وإن كانوا بعض أهل الكتاب والمشركين لكن من الضروري أن لا فرق بين البعض والبعض في تعلق الدعوة فتعلقها بالبعض لا ينفك عن تعلقها بالكل . وقوله : " رسول من الله " الخ يشير إلى أن تلك البينة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقوله " وما تفرق " الخ يشير إلى أن تفرقهم وكفرهم السابق بالحق أيضا كان بعد مجئ البينة . وقوله : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله " الخ يفيد أن الذي دعوا إليه وأمروا به دين قيم حافظ لمصالح المجتمع البشري فعليهم جميعا أن يؤمنوا به ولا يكفروا . قوله تعالى : " أن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية " لما فرغ من الإشارة إلى كفرهم بالبينة التي كانت توجبها سنة الهداية الإلهية وما كانت تدعوا إليه من الدين القيم أخذت في الانذار والتبشير بوعيد الكفار ووعد المؤمنين ، والبرية الخلق ، والمعنى ظاهر . قوله تعالى : " إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " فيه قصر الخيرية في المؤمنين الصالحين كما أن في الآية السابقة قصر الشرية في الكفار . قوله تعالى : " جزاؤهم عند ربهم - إلى قوله - ذلك لم خشي ربه " العدن الاستقرار والثبات فجنات عدن جنات خلود ودوام وتوصيفها بقوله : " خالدين فيها أبدا " تأكيد بما يدل عليه الاسم . وقوله : " رضي الله عنهم " الرضى منه تعالى صفة فعل ومصداقه الثواب الذي أعطاهموه جزاء لايمانهم وعلمهم الصالح . وقوله : " ذلك لمن خشي ربه " علامة مضروبة لسعادة الدار الآخرة وقد قال تعالى : " إنما يخشى الله من عباده العلماء " فاطر : 28 فالعلم بالله يستتبع الخشية منه ، والخشية منه تستتبع الايمان به بمعنى الالتزام القلبي بربوبيته وألوهيته ثم العمل الصالح . واعلم أن لهم في تفسير مفردات هذه الآيات اختلافا شديدا وأقوالا كثيرة لا جدوى في التعرض لها من أراد الوقوف عليها فاليراجع المطولات .