السيد الطباطبائي
33
تفسير الميزان
الانسان تنتهي خلقته إلى عناصر أرضية تركبت تركبا خاصا به يغتذي وينمو ويولد المثل ، وهذه حقيقة النبات ، فالكلام مسوق سوق الحقيقة من غير تشبيه واستعارة . قوله تعالى : " ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا " الإعادة فيها بالإماتة والاقبار ، والاخراج للجزاء يوم القيامة فالآية والتي قبلها قريبتا المعنى من قوله تعالى : " فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون " الأعراف : 25 . وفي قوله : " ويخرجكم " دون أن يقول : ثم يخرجكم إيماء إلى أن الإعادة والاخراج كالصنع الواحد والإعادة مقدمة للاخراج ، والانسان في حالتي الإعادة والاخراج في دار الحق كما أنه في الدنيا في دار الغرور . قوله تعالى : " والله جعل لكم الأرض بساطا " أي كالبساط يسهل لكم التقلب من جانب إلى جانب ، والانتقال من قطر إلى قطر . قوله تعالى : " لتسلكوا منها سبلا فجاجا " السبل جمع سبيل بمعنى الطريق والفجاج جمع فج بمعنى الطريق الواسعة ، وقيل : الطريق الواقعة بين الجبلين . قوله تعالى : " قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا " رجوع منه عليه السلام إلى شكواه من قومه إلى ربه بعد ما ذكر تفصيل دعوته لهم وما ألقاه من القول إليهم من قوله : " ثم إني دعوتهم جهارا " إلى آخر الآيات . وشكواه السابق له قوله : " فلم يزدهم دعائي إلا فرارا " بعد ما أخبر بإجمال دعوته بقوله : " رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا " . وفي الآية دلالة على أن العظماء المترفين من قومه عليه السلام كانوا يصدون الناس عنه ويحرضونهم على مخالفته وإيذائه . ومعنى قوله : " لم يزده ماله وولده إلا خسارا " - وقد عد المال والولد في سابق كلامه من النعم - أن المال والولد اللذين هما من نعمك وكان يجب عليهم شكرهما لم يزيداهم إلا كفرا وأورثهم ذلك خسرانا من رحمتك . قوله تعالى : " ومكروا مكرا كبارا " الكبار اسم مبالغة من الكبر . قوله تعالى : " وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا " توصية منهم بالتمسك بآلهتهم وعدم ترك عبادتها .