السيد الطباطبائي
37
تفسير الميزان
وفي الحديث القدسي : أنا عند ظن عبدي بي ، فلا يظن بي إلا خيرا . أقول : وذلك أن الدعاء مع اليأس أو التردد يكشف عن عدم السؤال في الحقيقة . كما مر ، وقد ورد المنع عن الدعاء بما لا يكون . وفي العدة أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إفزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه وادعوه ، فإن الدعاء مخ العبادة ، وما من مؤمن يدعو الله الا استجاب فإما أن يعجله له في الدنيا أو يؤجل له في الآخرة ، واما أن يكفر له من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بمأثم . وفي نهج البلاغة : في وصية له عليه السلام لابنه الحسين عليه السلام : ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما اذن لك فيه من مسألته فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمه واستمطرت شآبيب رحمته ، فلا يقنطنك إبطاء إجابته ، فإن العطية على قدر النية ، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لاجر السائل ، واجزل لعطاء الامل ، وربما سألت الشئ فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، وينفي عنك وباله ، والمال لا يبقى لك ولا تبقي له . أقول : قوله : فإن العطية على قدر النية يريد عليه السلام به : ان الاستجابة تطابق الدعوة فما سأله السائل منه تعالى على حسب ما عقد عليه حقيقة ضميره وحمله ظهر قلبه هو الذي يؤتاه ، لا ما كشف عنه قوله وأظهره لفظه ، فإن اللفظ ربما لا يطابق المعنى المطلوب كل المطابقة كما مر بيانه فهي أحسن جملة واجمع كلمة لبيان الارتباط بين المسألة والإجابة . وقد بين عليه السلام بها عدة من الموارد التي يتراءى فيها تخلف الاستجابة عن الدعوة ظاهرا كالابطاء في الإجابة ، وتبديل المسؤول عنه في الدنيا بما هو خير منه في الدنيا ، أو بما هو خير منه في الآخرة ، أو صرفه إلى شئ آخر أصلح منه بحال السائل ، فإن السائل ربما يسأل النعمة الهنيئة ولو أوتيها على الفور لم تكن هنيئة وعلى الرغبة فتبطئ إجابتها لان السائل سأل النعمة الهنيئة فقد سأل الإجابة على بطؤ ، وكذلك المؤمن المهتم بأمر دينه لو سأل ما فيه هلاك دينه وهو لا يعلم بذلك ويزعم أن فيه سعادته