السيد الطباطبائي

38

تفسير الميزان

وانما سعادته في آخرته فقد سأل في الحقيقة لآخرته لا دنياه فيستجاب لذلك فيها لا في الدنيا . وفي عدة الداعي عن الباقر عليه السلام ما بسط عبد يده إلى الله عز وجل إلا استحيى الله أن يردها صفرا حتى يجعل فيها من فضله ورحمته ما يشاء ، فإذا دعا أحدكم فلا يرد يده حتى يمسح بها على رأسه ووجهه ، وفي خبر آخر على وجهه وصدره . أقول : وقد روي في الدر المنثور ما يقرب من هذا المعنى عن عدة من الصحابة كسلمان ، وجابر ، وعبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك ، وابن أبي مغيث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ثماني روايات ، وفي جميعها رفع اليدين في الدعاء فلا معنى لانكار بعضهم رفع اليدين بالدعاء معللا بأنه من التجسيم إذ رفع اليدين إلى السماء ايماء إلى أنه تعالى فيها - تعالى عن ذلك وتقدس . وهو قول فاسد ، فإن حقيقة جميع العبادات البدنية هي تنزيل المعنى القلبي والتوجه الباطني إلى موطن الصورة ، وإظهار الحقائق المتعالية عن المادة في قالب التجسم ، كما هو ظاهر في الصلاة والصوم والحج وغير ذلك وأجزائها وشرائطها ، ولولا ذلك لم يستقم أمر العبادة البدنية ، ومنها الدعاء ، وهو تمثيل التوجه القلبي والمسألة الباطنية بمثل السؤال الذي نعهده فيما بيننا من سؤال الفقير المسكين الداني من الغني المتعزز العالي حيث يرفع يديه بالبسط ، ويسأل حاجتة بالذلة والضراعة ، وقد روى الشيخ في المجالس والاخبار مسندا عن محمد وزيد ابني علي بن الحسين عن أبيهما عن جدهما الحسين عليه السلام عن النبي ، وفي عدة الداعي مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع يديه إذا ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين . وفي البحار عن علي عليه السلام أنه سمع رجلا يقول : اللهم إني أعوذ بك من الفتنة ، قال عليه السلام : أراك تتعوذ من مالك وولدك ، يقول الله تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) ولكن قل : اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن . أقول : وهذا باب آخر في تشخيص معنى اللفظ وله نظائر في الروايات ، وفيها : أن الحق في معنى كل لفظ هو الذي ورد منه في كلامه ، ومن هذا الباب ما ورد في الروايات في تفسير معنى الجزء والكثير وغير ذلك .