الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

13

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وبهذا يتضح الجواب عن السؤال : لم يعرض الإسلام كرامة إنسان بين الناس إلى الخدش والامتهان ؟ فيقال : ما دام الذنب سرا لم يطلع عليه أحد ولم يبلغ القضاء ، فلا بأس بكتمانه في النفس واستغفار الله منه ، فإنه تعالى يستره بلطفه ويحب من يستره ، أما إذا ظهر الجرم بالأدلة الشرعية ، فلابد من تنفيذ العقاب بشكل يبطل آثار الذنب السيئة ، ويبعث على استفظاعه وبشاعته . ومن الطبيعي أن يولي المجتمع السليم الأحكام اهتماما كبيرا ، فتكرار التحدي للحدود الشرعية يفقدها فاعليتها في صيانة الطمأنينة والاستقرار في النفوس ، ومن هنا وجبت إقامة هذا الحد علنا ليمتنع الناس من تكرار فاحشة ساءت سبيلا . ويجب أن لا ننسى أن كثيرا من الناس يهتم باطلاع الناس على سوء فعله أكثر من اهتمامه بما ينزل به من العقاب على ذلك الفعل الشنيع . ولهذا وجبت إقامة الحد على الزاني بحضور الناس ، وهذا الإعلان لإقامة هذا الحد الإلهي أمام الناس قد يمنع المفسدين من الاستمرار في الفساد ويكون بمثابة فرامل قوية امام التمادي في ركوب الشهوات . وبعد بيان حد الزنا ، جاء بيان حكم الزواج من هؤلاء في الآية الثالثة وكما يلي الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين . اختلف المفسرون في كون هذه الآية بيانا لحكم إلهي ، أو خبرا عن قضية طبيعية . فيرى البعض أن الآية تبين واقعة ملموسة فقط ، فالمنحطون يختارون المنحطات ، وكذلك يفعلن هن في اختيارهن ، بينما يسمو المتطهرون المؤمنون عن ذلك . ويحرمون على أنفسهم اختيار الأزواج من ذلك الصنف تزكية وتطهيرا ، وهذا ما يشهد به ظاهر الآية الذي جاء على شكل جملة خبرية . إلا أن مجموعة أخرى ترى في هذه العبارة حكما شرعيا وأمرا إلهيا يمنع