السيد الطباطبائي

19

تفسير الميزان

والسابق إلى الذهن من سياقها أن المراد من أخذ الكتاب بقوة التحقق بما فيه من المعارف والعمل بما فيه من الاحكام بالعناية والاهتمام . وفي الكلام حذف وإيجاز رعاية للاختصار ، والتقدير : فلما وهبنا له يحيى قلنا له : يا يحيى خذ الكتاب بقوة في جانبي العلم والعمل ، وبهذا المعنى يتأيد أن يكون المراد بالكتاب التوراة أو هي وسائر كتب الأنبياء فإن الكتاب الذي كان يشتمل على الشريعة يومئذ هو التوراة ( 1 ) . قوله تعالى : " وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة " فسر الحكم بالفهم وبالعقل وبالحكمة وبمعرفة آداب الخدمة وبالفراسة الصادقة وبالنبوة ، لكن المستفاد من مثل قوله تعالى : " ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة " الجاثية : 16 ، وقوله : " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة " الانعام : 89 ، وغيرهما من الآيات أن الحكم غير النبوة فتفسير الحكم بالنبوة ليس على ما ينبغي ، وكذا تفسيره بمعرفة آداب الخدمة أو بالفراسة الصادقة أو بالعقل إذ لا دليل من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى على شئ من ذلك . نعم ربما يستأنس من مثل قوله يتلوا عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم " البقرة : 129 ، وقوله : " يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة " الجمعة : 2 - والحكمة بناء نوع من الحكم - أن المراد بالحكم العلم بالمعارف الحقة الإلهية وانكشاف ما هو تحت أستار الغيب بالنسبة إلى الانظار العادية ولعله إليه مرجع تفسير الحكم بالفهم . وعلى هذا يكون المعنى إنا أعطيناه العلم بالمعارف الحقيقية وهو صبي لم يبلغ الحلم بعد . وقوله : " وحنانا من لدنا " معطوف على الحكم أي وأعطيناه حنانا من لدنا والحنان : العطف والاشفاق ، قال الراغب ولكون الاشفاق لا ينفك من الرحمة عبر عن الرحمة بالحنان في قوله تعالى : " وحنانا من لدنا " منه قيل : الحنان المنان وحنانيك إشفاقا بعد إشفاق .

--> ( 1 ) وليس من البعيد أن يكون له عليه السلام كتاب يخصه .