السيد الطباطبائي

29

تفسير الميزان

خروج البعض من النار كاف في انتفاض العموم وصحة الاستثناء . ويبقى الكلام في إيقاع " ما " في قوله " ما شاء " على من يعقل ، ولا ضير فيه وإن لم يكن شائعا لوقوعه في كلامه تعالى كقوله : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " النساء : 3 . والكلام في الآية التالية : " وأما الذين سعدوا " الخ ، نظير الكلام في هذه الآية لاشتراكهما في السياق غير أن الاستثناء في آية الجنة يعقبه قوله : " عطاء غير مجذوذ " ولازمه أن لا يكون الاستثناء مشيرا إلى تحقق الوقوع فإنه لا يلائم كون الجنة عطاء غير مقطوع بل مشيرا إلى إمكان الوقوع ، والمعنى أن أهل الجنة فيها أبدا إلا أن يخرجهم الله منها لكن العطية دائمية وهم غير خارجين والله غير شاء ذلك أبدا . فيكون الاستثناء مسوقا لاثبات قدرة الله المطلقة وأن قدرة الله سبحانه لا تنقطع عنهم بإدخالهم الجنة الخالدة ، وسلطنته لا تنفد ، وملكه لا يزول ولا يبطل ، وإن الزمان بيده ، وقدرته وإحاطته باقية على ما كانت عليه قبل ، فله تعالى أن يخرجهم من الجنة وإن وعد لهم البقاء فيها دائما لكنه تعالى لا يخرجهم لمكان وعده ، والله لا يخلف الميعاد . والكلام في الاستثناء الواقع في هذه الآية أعني آية النار نظيره في آية الجنة لوحده السياق بالمقابلة والمحاذاة وإن اختتمت الآية بقوله : " إن ربك فعال لما يريد " وفيه من الإشارة إلى التحقق ما لا يخفى . فأهل الخلود في النار كأهل الخلود في الجنة لا يخرجون منها أبدا إلا أن يشاء الله سبحانه ذلك لأنه على كل شئ قدير ، ولا يوجب فعل من الافعال : إعطاء أو منع ، سلب قدرته على خلافه أو خروج الامر من يده لان قدرته مطلقة غير مقيده بتقدير دون تقدير أو بأمر دون أمر قال تعالى : " ويفعل الله ما يشاء " إبراهيم : 27 ، وقال : " يمحوا الله ما يشاء ويثبت " الرعد : 39 : إلى غير ذلك من الآيات . ولا منافاة بين هذا الوجه وبين ما ورد في الاخبار من خروج بعض المجرمين منها بمشية الله كما لا يخفى .