السيد الطباطبائي

133

تفسير الميزان

منتنة دانية ، ثم إنه لو رجع بعد ذلك إلى ربه لأعاده إلى دار كرامته وسعادته ولو لم يرجع إليه وأخلد إلى الأرض واتبع هواه فقد بدل نعمه الله كفرا وأحل بنفسه دار البوار ، جهنم يصليها وبئس القرار . قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) ، التلقي هو التلقن ، وهو أخذ الكلام مع فهم وفقه وهذا التلقي كان هو الطريق المسهل لآدم عليه السلام توبته . ومن ذلك يظهر أن التوبة توبتان : توبه من الله تعالى وهي الرجوع إلى العبد بالرحمة ، وتوبة من العبد وهي الرجوع إلى الله بالاستغفار والانقلاع من المعصية . وتوبة العبد ، محفوفة بتوبتين : من الله تعالى ، فان العبد لا يستغني عن ربه في حال من الأحوال ، فرجوعه عن المعصية إليه يحتاج إلى توفيقه تعالى وإعانته ورحمته حتى يتحقق منه التوبة ، ثم تمس الحاجة إلى قبوله تعالى وعنايته ورحمته ، فتوبة العبد إذا قبلت كانت بين توبتين من الله كما يدل عليه قوله تعالى : ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) التوبة - 119 . وقراءة نصب آدم ورفع كلمات تناسب هذه النكتة ، وإن كانت القراءة الأخرى ( وهي قراءة رفع آدم ونصب كلمات ) لا تنافيه أيضا . وأما أن هذه الكلمات ما هي ؟ فربما يحتمل انها هي ما يحكيه الله تعالى عنهما في سورة الأعراف بقوله : ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) الأعراف - 23 ، إلا أن وقوع هذه الكلمات أعني قوله : ( قالا ربنا ظلمنا الآية ) قبل قوله : ( قلنا إهبطوا ) في سورة الأعراف ووقوع قوله ( فتلقى آدم ) الآية بعد قوله : ( قلنا اهبطوا ، في هذه السورة لا يساعد عليه . لكن هيهنا شئ : وهو أنك عرفت في صدر القصة أن الله تعالى حيث قال : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) ، قالت الملائكة : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك الآية ) وهو تعالى لم يرد عليهم دعواهم على الخليفة الأرضي بما رموه به ولم يجب عنه بشئ إلا أنه علم آدم الأسماء كلها . ولولا أنه كان فيما صنعه تعالى من تعليم الأسماء ما يسد باب اعتراضهم ذلك لم