السيد الطباطبائي
134
تفسير الميزان
ينقطع كلامهم ولا تمت الحجة عليهم قطعا . ففي جملة ما علمه الله تعالى آدم من الأسماء أمر ينفع العاصي إذا عصى والمذنب إذا أذنب ، فلعل تلقيه من ربه كان متعلقا بشئ من تلك الأسماء فافهم ذلك . وإعلم أن آدم عليه السلام وإن ظلم نفسه في القائها إلى شفا جرف الهلكة ومنشعب طريقي السعادة والشقاوة أعني الدنيا ، فلو وقف في مهبطة فقد هلك ، ولو رجع إلى سعادته الأولى فقد أتعب نفسه وظلمها ، فهو عليه السلام ظالم لنفسه على كل تقدير ، إلا أنه عليه السلام هيأ لنفسه بنزوله درجة من السعادة ومنزلة من الكمال ما كان ينالها لو لم ينزل وكذلك ما كان ينالها لو نزل من غير خطيئة . فمتى كان يمكنه أن يشاهد ما لنفسه من الفقر والمذلة والمسكنة والحاجة والقصور وله في كل ما يصيبه من التعب والعناء والكد روح وراحة في حظيرة القدس وجوار رب العالمين ، فلله تعالى صفات من عفو ومغفرة وتوبة وستر وفضل ورأفة ورحمة لا ينالها إلا المذنبون ، وله في أيام الدهر نفحات يرتاح بها إلا المتعرضون . فهذه التوبة هي التي استدعت تشريع الطريق الذي يتوقع سلوكه وتنظيف المنزل الذي يرجى سكونه ، فورائها تشريع الدين وتقويم الملة . ويدل على ذلك ما تراه أن الله تعالى يكرر في كلامه تقدم التوبة على الايمان . قال تعالى : ( فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ) هود - 112 ، وقال : ( وإني لغفار لمن تاب وآمن ) طه - 82 ، إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : قلنا إهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى . وهذا أول ما شرع من الدين لآدم عليه السلام وذريته ، أوجز الدين كله في جملتين لا يزاد عليه شئ إلى يوم القيامة . وأنت إذا تدبرت هذه القصة ( قصة الجنة ) وخاصة ما وقع في سورة طه وجدت أن المستفاد منها أن جريان القصة أوجب قضائين منه تعالى في آدم وذريته ، فأكل الشجرة أوجب حكمه تعالى وقضائه بالهبوط والاستقرار في الأرض والحياة