الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
95
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الشيطان قد وسوس إليه عن هذا الطريق " أي أنه سيخلد في الجنة أيضا " . أجل . . إن الشياطين يبدؤون دائما في بادية خططهم من نفس النقاط والطرق التي يبدأ منها المرشدون إلى طريق الحق ، لكن لا تمر الأيام حتى يجروهم إلى هاوية الانحراف ، ويجعلون جاذبية طريق الحق وسيلة للوصول إلى المتاهات . وأخيرا وقع المحذور ، وأكل آدم وحواء من الشجرة الممنوعة ، فتساقط عنهما لباس الجنة ، فبدت أعضاؤهما : فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما ( 1 ) فلما رأى آدم وحواء ذلك استحييا وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ( 2 ) . نعم ، لقد كانت العاقبة المؤسفة وعصى آدم ربه فغوى . " غوى " أخذت من مادة الغي ، أي العمل الصبياني الناشئ من اعتقاد خاطئ ، ولما كان آدم هنا قد أكل - جهلا واشتباها - من الشجرة المحرمة ، نتيجة للظن الذي حصل له من قول الشيطان ، فقد عبر عن عمله ب ( غوى ) . وفسره بعض المفسرين بأنه الجهل الناشئ عن الغفلة ، والبعض فسرها بالمحرومية ، والبعض الآخر بالفساد في الحياة . وعلى كل حال فإن " الغي " يقابل " الرشد " ، والرشد هو أن يسلك الإنسان طريقا يوصله إلى هدفه ومقصده ، أما الغي فهو عدم الوصول إلى المقصود . ولكن لما كان آدم نقيا ومؤمنا في ذاته ، وكان يسير في طريق رضي الله سبحانه ، وكان لهذا الخطأ الذي أحاط به نتيجة وسوسة الشيطان صفة استثنائية ، فإن الله سبحانه لم يبعده عن رحمته إلى الأبد ، بل ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى .
--> 1 - " سوءات " جمع سوءة ، وهي في الأصل كل شئ غير سار ويسئ الإنسان ، ولذلك تطلق أحيانا على جسد الميت ، وأحيانا على العورة ، والمراد هنا هو المعنى الأخير . 2 - " يخصفان " من مادة خصف ، وهي هنا تعني خياطة اللباس .