الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
96
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
3 هل ارتكب آدم معصية ؟ مع أن العصيان يأتي في عرف اليوم - عادة - بمعنى الذنب والمعصية ، إلا أنه في اللغة يعني الخروج عن الطاعة وعدم تنفيذ الأمر سواء كان الأمر واجبا أو مستحبا ، وبناء على هذا فإن استعمال كلمة العصيان لا يعني بالضرورة ترك واجب أو ارتكاب محرم ، بل يمكن أن يكون ترك أمر مستحب أو ارتكاب مكروه . إضافة لما مر ، فإن الأمر والنهي يكون إرشاديا ، كأمر ونهي الطبيب حيث يأمر المريض أن يتناول الدواء الفلاني ، وأن يجتنب الغذاء الفلاني غير المناسب ، ولا شك أن المريض إذا خالف أمر الطبيب فإنه لا يضر إلا نفسه ، لأنه لم يعبأ بإرشاد الطبيب ونصيحته . وكذلك كان الله قد أمر آدم أن لا تأكل من ثمرة الشجرة الممنوعة ، فإنك إن أكلت ستخرج من الجنة ، وستبتلى بالألم والمشقة الكبيرة في الأرض ، فخالف هذا الأمر الإرشادي ، ورأى نتيجة مخالفته أيضا . وإذا لاحظنا أن هذا الكلام كان في مرحلة وجود آدم في الجنة ، وهي مرحلة اختبار لا تكليف ، فسيتضح معناه بصورة أجلى . وإضافة لما مر ، فإن العصيان أو الذنب يكون أحيانا متصفا بالإطلاق ، أي إنه يعد ذنبا من قبل مرتكبيه جميعا وبدون استثناء كالكذب والظلم وأكل المال الحرام ، ويكون أحيانا نسبيا ، أي العمل الذي إن بدر من شخص ما فقد لا يكون ذنبا ، بل قد يعتبر أحيانا عملا مطلوبا ولائقا لصدوره من مثله ، أما إذا صدر من آخر فإنه لا يناسبه نظرا إلى مكانته ومنزلته . فمثلا : تطلب المساعدة من قبل بعض الناس لبناء مستشفى ، فيعطى العامل أجرة يوم من عمله والتي لا تتجاوز أحيانا أكثر من عدة دراهم . إن هذا الفعل الصادر من مثل هذا الشخص يعد إيثارا وحسنة وهو مطلوب تماما ، أما إذا أعطى رجل ثري هذا المقدار من المال مثلا فإنه لا يناسبه ولا يليق به فحسب ، بل سيكون موضع ملامة ومذمة وتعنيف مع أنه أساسا لم يرتكب حراما ، بل ساهم ولو