الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
479
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الحق مع رغبات الناس ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن . لأنه لا يوجد مقياس يحدد أهواء الناس ، مضافا إلى أنها تميل إلى الشر والفساد غالبا ، ولو اتبعتها قوانين الوجود لعمت الفوضى في الكون ولفسد العالم . وتأكيدا لذلك تقول الآية : بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ( 1 ) أي منحناهم القرآن الذي هو أساس للذكر والتوجه إلى الله ، وسبب لرفعتهم وشرفهم ، إلا أنهم أعرضوا عن هذا المنار الذي يضئ لهم درب السعادة والشرف . وفي المرحلة الخامسة تقول الآية : هل أن عذرهم في فرارهم من الحق هو أنك تريد منهم أجرا على دعوتك : أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ( 2 ) . فلو طلب قائد ديني أجرا من الناس مقابل وعظهم ودعوتهم إلى الحق لأعطى المتعذرين ذريعة للإعراض عنه والطعن عليه ، فيعرضون عنه بحجة عدم قدرتهم المالية ، ويتهمونه بأنه ما دعاهم إلا ابتغاء منافع خاصة به . مضافا إلى أن البشر ما يملك من شئ ليمنحه ؟ أليس الله سبحانه وتعالى رزاق العباد ؟ والقرآن الكريم بإيضاحه هذه المراحل الخمس برهن على أن هؤلاء الحمقى ( المشركين ) لا يرضخون للحق ، وأن أعذارهم في إنكار الحق أعذار واهية . وجاءت الآية التالية باستنتاج عام لكل ما مضى : وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم صراط مستقيم دلائله واضحة واستقامته معلومة ، فالطريق
--> 1 - يمكن أن تفسر عبارة " ذكرهم " بمعنى تذكرهم وتوقظهم ، ويمكن أن تفسر بمعنى شرفهم وحيثيتهم في المجتمع البشري ، وفي الوقت ذاته لا تناقض بين هذين المفهومين ، وقد استفدنا من كليهما في تفسير الآية . 2 - الخرج والخراج مشتق من الخروج ، ويعني الشئ الذي يستخرج من المال أو من حاصل الأرض الزراعية . إلا أن الخرج ذو معنى أوسع من الخراج . وكما يقول الراغب الأصفهاني في مفرداته : الخرج أعم من الخراج ، وجعل الخرج بإزاء الدخل ، وقال تعالى : فهل نجعل لك خرجا والخرج مختص في الغالب بالضريبة على الأرض أو اجرتها .