الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

446

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وعندما يئس منهم حيث لم يؤمن بما جاء به إلا مجموعة صغيرة ، دعا الله ليعينه ، حيث نقرأ في الآية الأولى قال رب انصرني بما كذبون ( 1 ) . هنا نزل الوحي الإلهي ، من أجل التمهيد لإنقاذ نوح ( عليه السلام ) وأصحابه القلة وهلاك المشركين المعاندين فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا . إن عبارة " بأعيننا " إشارة إلى أن سعيك في هذا السبيل سيكون تحت حمايتنا ، فاعمل باطمئنان وراحة بال ولا تخف من أي شئ . واستعمال عبارة " وحينا " يكشف لنا أن نوحا ( عليه السلام ) تعلم صنع السفينة بالوحي الإلهي ، لأن التأريخ لم يذكر أن الإنسان استطاع صنع مثل هذه الوسيلة حتى ذلك الوقت . ولهذا السبب صنع نوح ( عليه السلام ) السفينة بشكل يناسب غايته في صنعها ، ولتكون في غاية الكمال ! ثم تواصل الآية بأنه إذا جاء أمر الله ، وعلامة ذلك فوران الماء في التنور ، فاعلم أنه قد اقترب وقت الطوفان ، فاختر من كل نوع من الحيوانات زوجا ( ذكر وأنثى ) واصعد به إلى السفينة : فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم إشارة إلى زوج نوح ( عليه السلام ) وأحد أبنائه ، ثم أضافت الآية : ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون وهذا التحذير جاء حتى لا يقع نوح ( عليه السلام ) تحت تأثير العاطفة الإنسانية ، عاطفة الأبوة ، أو عاطفته نحو زوجته ليشفع لهما ، في وقت افتقدا فيه لحق الشفاعة . وتقول الآية التالية : فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين . وبعد الحمد والثناء عليه تعالى على هذه النعمة العظيمة ، نعمة النجاة من مخالب الظلمة ، ادعوه هكذا وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين .

--> 1 - الباء في " بما كذبون " ربما كانت سببية أو للمقابلة . وأما " ما " فيمكن أن تكون مصدرية أو موصولة ، ويختلف معنى كل منهما . إلا أن هذا الاختلاف ليس مهما ( فتأملوا جيدا ) .