الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
447
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
كلمة " منزل " ربما كانت اسم مكان ، أي : بعد الطوفان ندعو الله لينزلنا في أرض ذات خيرات واسعة ، لنحيا فيها بسعادة وهدوء . كما يمكن أن تكون مصدرا ميميا أي : أنزلنا بشكل لائق ، لأن هناك أخطارا تهدد ركاب هذه السفينة بعد رسوها في ختام الطوفان ، كعدم مكان للسكن ، أو النقص في الغذاء ، أو التعرض للأمراض ، لهذا دعا نوح ( عليه السلام ) ربه لينزله منزلا مباركا . وقد أشارت الآية الأخيرة - من الآيات موضع البحث - إلى مجمل هذه القصة فقالت : إن في ذلك لآيات ففي هذه الحوادث التي جرت على نوح ( عليه السلام ) وانتصاره على أعدائه الظالمين ، ونزول أشد أنواع العقاب عليهم - آيات ودلائل لأصحاب العقول السليمة . وإن كنا لمبتلين أي إننا نمتحن الجميع بشكل قاطع . وقد تكون هذه الجملة إشارة إلى امتحان الله لقوم نوح مرارا ، وعندما أخفقوا في الامتحان أهلكهم إلا المؤمنين . كما قد تكون إشارة إلى امتحان الله لجميع البشر في كل زمان ومكان ، وما جاء في هذه الآيات لم يكن خاصا بالناس في زمن نوح ( عليه السلام ) ، بل يشمل الناس في جميع الدهور . فيهلك من كان عائقا في طريق تكامل البشرية وليواصل الأخيار سيرهم الطبيعي . واكتفت الآيات هنا بقضية بناء السفينة ودخول نوح ( عليه السلام ) وأصحابه إليها ، إلا أنها لم تشر إلى مصير المذنبين ، ولم تتحدث عنهم بالتفصيل ، وإنما اكتفت بالقول بأنهم لقوا ما وعدهم الله إنهم مغرقون لأن هذا الوعد مؤكد لا يقبل النقض . ولابد من القول بأن هناك حديثا واسعا عن قوم نوح وموقفهم إزاء هذا النبي الكبير ، ومصيرهم المؤلم ، وقصة السفينة ، وفوران الماء من التنور ، وحدوث الطوفان ، وغرق ابن نوح ( عليه السلام ) . وقد بينا قسما كبيرا منه في تفسير سورة هود ، وسنذكر قسما آخر في تفسير سورة نوح إن شاء الله . * * *