الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
420
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
باطلة أو كلام تافه ، بل هم معرضون عنها ، كما قال القرآن الكريم . وتشير الآية الثالثة إلى ثالث صفة من صفات المؤمنين الحقيقيين ، وهي ذات جانب اجتماعي ومالي حيث تقول : والذين هم للزكاة فاعلون ( 1 ) . ربما تكون السورة مكية ، كما قلنا سابقا ، نزلت في وقت لم تشرع فيه الزكاة بعد بمعناها المعروف ، لذلك نجد اختلافا بين المفسرين في تفسير هذه الآية ، ولكن الذي يبدو أصوب هو أن الزكاة لا تنحصر بالزكاة الواجبة الأداء ، وإنما هناك أنواع كثيرة منها مستحبة ، فالزكاة الواجبة شرعت في المدينة ، إلا أن الزكاة المستحبة كانت موجودة قبل هذا . وذهب مفسرون آخرون إلى احتمال أن تكون الزكاة واجبة كحكم شرعي في مكة لكن دون تحديد ، حيث كان الواجب على كل مسلم مساعدة المحتاجين بما يتمكن ، إلا أنه أصبح للزكاة أسلوبها الخاص عقب تشكيل الحكم الإسلامي وتأسيس بيت مال المسلمين ، حيث تحددت أنصبتها من كل محصول ومال . وأصبح لها جباة يجبونها من المسلمين بأمر من الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . أما ما يراه بعض المفسرين أمثال الفخر الرازي والآلوسي في " روح المعاني " والراغب الأصفهاني في مفرداته من أن الزكاة هنا تعني عمل الخير أو تزكية المال أو تطهير الروح ، فبعيد ، لأن القرآن المجيد كلما ذكر الصلاة مع الزكاة يقصد بالزكاة الإنفاق المالي ، ولو فسرناه بغير هذا ، فذلك يحتاج إلى قرينة واضحة لا توجد في هذه الآيات . ورابع صفة من صفات المؤمنين هي الطهارة والعفة بشكل تام ، واجتناب أي معصية جنسية ، حيث تقول الآية : والذين هم لفروجهم حافظون ( 2 ) يحفظونها
--> 1 - الزكاة تعني هنا أن لها مصدرا ، ولهذا استعملت عبارة " فاعلون " بعدها . وقال مفسرون آخرون : إنه يمكن أن تعني الزكاة ذلك المعنى المعروف عنها ، أي مقدار من المال ، ولهذا تكون ( فاعلون ) بمعنى مؤدون . 2 - " الفروج " جمع فرج ، وهو كناية عن الجهاز التناسلي .