الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

323

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أو أن هذه المنزلة جاءت لتحديد أهمية حج بيت الله الحرام ، الذي يجب أن يتم بأي أسلوب وبأية إمكانات . وأن لا ينتظر الحاج مركبا له . أما عبارة " ضامر " فتعني الحيوان الضعيف ، إشارة إلى أن هذا الطريق يجعل الحيوان هزيلا ، لأنه يجتاز صحاري جافة محرقة لا زرع فيها ولا ماء ، واستعدادا لتحمل الصعاب في هذا الطريق . أو يكون المراد أن على الحاج اختيار جواد قوي سريع صابر ، رشيق ضامر ، متدرب على السير في مثل هذه الطرق ، ولا فائدة ترجى من الحيوان المنعم في هذا الطريق . ( مثلما لا يمكن للرجال المترفين اجتياز هذا الطريق ) . أما عبارة من كل فج عميق فهي إشارة إلى توجه الحجاج إلى الكعبة ، ليس فقط من الأماكن القريبة ، بل يشمل ذلك الحجاج من الأماكن البعيدة أيضا . كلمة " كل " لا تعني هنا الاستغراق والشمول ، بل الكثرة . ويذكر المفسر المشهور أبو الفتوح الرازي في تفسيره لهذه الآية حياة مثيرة لرجل يدعى " أبو القاسم بشر بن محمد " فيقول : رأيت حين الطواف شيخا هزيلا بدت عليه آثار السفر ، ورسم التعب علائمه على جبينه . تقدمت إليه وسألته من أين أنت ؟ أجاب : من فج عميق طال قطعه خمسة أعوام ! فأصبحت شيخا هزيلا من شدة تعب السفر وآلامه ، فقلت : والله لهي مشقة ، إلا أنها طاعة خالصة وحب عميق لله تعالى . فسره ذلك ثم أنشد : زر من هويت وإن شطت بك الدار * وحال من دونه حجب وأستار ! لا يمنعنك بعد من زيارته * إن المحب لمن يهواه زوار ! حقا إن جاذبية بيت الله هي بدرجة تجعل القلوب الطافحة بالإيمان تهوى