الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

267

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

للجهاد ، ولم يكن حكم الجهاد قد نزل ، فيبدو من البعيد جدا أن يكون معنى هذه الجملة هنا إعلان الحرب ، والظاهر أن النبي أراد بهذا الكلام أن يعلن تنفره وابتعاده عن أولئك ، ويبين بأنه قد يئس منهم تماما . وتعبير " على سواء " إما أن يكون إشارة إلى أني قد أنذرتكم جميعا وحذرتكم من العذاب الإلهي على حد سواء ، لئلا يتصوروا أن أهل مكة أو قريشا يختلفون عن الآخرين ، وأن لهم عند الله فضلا أو كرامة . أو أنه إشارة إلى أن النبي قد بلغهم جميعا وبدون استثناء . ثم يبين هذا التهديد بصورة أوضح ، فيقول بأني لا أعلم هل أن موعد عذابكم قريب أم بعيد : وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون فلا تظنوا أن هذا الوعيد بعيد ، فربما كان قريبا وقريبا جدا . قد يكون المراد من العذاب والعقوبة هنا عذاب القيامة ، أو عذاب الدنيا ، أو كليهما ، ففي الصورة الأولى هو مختص بعلم الله ، ولا يعلم أي أحد تاريخ وقوع القيامة بدقة حتى أنبياء الله ، وفي الصورة الثانية والثالثة يمكن أن يكون إشارة إلى جزئياته وزمانه ، وأنا لا أعلم بجزئياته ، لأن علم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمثل هذه الحوادث ليس له صفة فعلية دائما ، بل له صفة إرادية أحيانا ، أي ما دام لم يرد فهو لا يعلم ( 1 ) . ثم إنكم لا ينبغي أن تتوهموا أن عقوبتكم إذا تأخرت فهذا يعني أن الله غير مطلع على أعمالكم وأقوالكم ، فهو يعلم كل شئ ، ف‍ إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون فإن الجهر والإخفاء له معنى بالنسبة لكم حيث أن علمكم محدود عادة ، أما بالنسبة لمن لا حدود لعلمه ، فإن الغيب والشهادة ، والسر والعلن سواء لديه .

--> 1 - كما ورد في كتاب الكافي في باب يتعلق بهذا الشأن أيضا .