الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

268

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وكذلك إذا رأيتم أن العقوبة الإلهية لا تحيط بكم فورا ، فلا تظنوا أن الله سبحانه غير عالم بعملكم ، فلا أعلم لعله امتحان لكم : وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ثم يأخذكم أشد مأخذ ويعاقبكم أشد عقاب ! لقد أوضحت الآية في الواقع حكمتين لتأخير العذاب الإلهي : الأولى : مسألة الامتحان والاختبار ، فإن الله سبحانه لا يعجل في العذاب أبدا حتى يمتحن الخلق بالقدر الكافي ، ويتم الحجة عليهم . والثانية : إن هناك أفرادا قد تم اختبارهم وحقت عليهم كلمة العذاب حتما ، إلا أن الله سبحانه يوسع عليهم النعمة ليشدد عليهم العذاب ، فإذا ما غرقوا في النعمة تماما ، وغاصوا في اللذائذ ، أهوى عليهم بسوط العذاب ليكون أشد وآلم ، وليحسوا جيدا بألم وعذاب المحرومين والمضطهدين . وتتحدث آخر آية هنا - وهي آخر آية من سورة الأنبياء - كالآية الأولى من هذه السورة عن غفلة الناس الجهال ، فتقول حكاية عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في عبارة تشبه اللعن ، وتعكس معاناته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من كل هذا الغرور والغفلة ، وتقول : إن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد مشاهدة كل هذا الإعراض قال رب احكم بالحق ( 1 ) . وفي الجملة الثانية يوجه الخطاب إلى المخالفين ويقول : وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون . إنه في الحقيقة ينبه هؤلاء بكلمة ( ربنا ) إلى هذه الحقيقة ، وهي أننا جميعا مربوبون ومخلوقون ، وهو ربنا وخالقنا جميعا . والتعبير ب‍ " الرحمن " ، والذي يشير إلى الرحمة العامة ، يعيد إلى أسماع هؤلاء أن الرحمة الإلهية قد عمت كل وجودنا ، فلماذا لا تفكروا لحظة في خالق كل هذه النعمة والرحمة ؟ وتعبير المستعان على ما تصفون يحذر هؤلاء بأن لا تظنوا أنا وحيدون

--> 1 - لا شك أن حكم الله سبحانه بالحق دائما ، وعلى هذا فإن ذكر كلمة ( بالحق ) هنا له صبغة التوضيح .