الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

266

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أجل ، إنه هو وأوامره ، ودينه وأخلاقه كلها رحمة ، رحمة للجميع ، وستكون عاقبة استمرار هذه الرحمة حكم الصالحين المؤمنين في كل أرجاء المعمورة . ولما كان أهم مظهر من مظاهر الرحمة ، وأثبت دعامة لذلك هي مسألة التوحيد وتجلياته ، فإن الآية التالية تقول : قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون ؟ وهذه الآية في الواقع تشير إلى ثلاث نقاط مهمة : الأولى : إن التوحيد هو الدعامة الأساسية للرحمة ، وحقا كلما فكرنا أكثر فستتضح هذه العلاقة أقوى ، التوحيد في الاعتقاد ، وفي العمل ، والتوحيد في الكلمة ، وتوحيد الصفوف ، وفي القانون وفي كل شئ . الثانية : إنه بمقتضى كلمة ( أنما ) الدالة على الحصر ، فإن كل دعوات الأنبياء تتلخص في أصل التوحيد ، والمطالعات الدقيقة تبين أيضا أن الأصول ، بل وحتى الفروع والأحكام ترجع أخيرا إلى أصل التوحيد ، ولذلك فإن التوحيد - وكما قلنا سابقا - ليس أصلا من الأصول وحسب ، بل إنه كالخيط القوي الذي يربط خرز المسبحة ، أو الأصح أنه كالروح السارية في البدن . والنقطة الثالثة : إن المشكلة الأساسية في جميع المجتمعات هي التلوث بالشرك بأشكال مختلفة ، لأن جملة فهل أنتم مسلمون توحي بأن المشكلة الأساسية هي الخروج من الشرك ومظاهره ، ورفع اليد عن الأصنام وتحطيمها ، ليس الأصنام الحجرية والخشبية فحسب ، بل كل الأصنام ، وفي أي شكل كانت ، وخاصة طواغيت البشر ! ثم تقول الآية التالية : إنهم إذا لم يذعنوا ويهتموا لدعوتنا ونداءاتنا هذه فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء . " آذنت " من مادة الإيذان ، أي الإعلان المقترن بالتهديد ، وجاء أحيانا بمعنى إعلان الحرب ، لكن لما كانت هذه السورة قد نزلت في مكة ، ولم تكن هناك أرضية