الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
242
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إن توحيد الأنبياء الاعتقادي في الواقع يقوم على أساس وحدة منبع الوحي ، وهذا الكلام يشبه كلام الإمام علي ( عليه السلام ) في وصيته لولده الإمام المجتبى ( عليه السلام ) حيث يقول : " واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ، ولعرفت أفعاله وصفاته " ( 1 ) . " الأمة " - كما يقول الراغب في مفرداته - تعني كل جماعة تربطهم جهة مشتركة ، الاشتراك في الدين ، أو الزمن والعصر الواحد ، أو المكان المعين ، سواء كانت هذه الوحدة اختيارية أو بدون اختيار . واعتبر بعض المفسرين الأمة الواحدة هنا بمعنى الدين الواحد ، ولكن كما قلنا أن هذا التفسير لا يتناسب والأصل اللغوي للأمة . وقال البعض الآخر : إن المراد من الأمة هنا كل البشر وفي جميع الأعصار ، أي إنكم أيها البشر أمة واحدة ، ربكم واحد ، وهدفكم الأخير واحد . إن هذا التفسير وإن كان أكثر انسجاما من التفسير السابق ، ولكنه لا يبدو مناسبا بملاحظة ارتباط هذه الآية بالآيات السابقة ، بل الأنسب منها جميعا أن تكون هذه الجملة إشارة إلى الأنبياء الذين مر ذكرهم في الآيات السابقة . وأشارت الآية التالية إلى انحراف جماعة عظيمة من الناس عن أصل التوحيد ، فقالت : وتقطعوا أمرهم بينهم فقد وصل بهم الأمر إلى أن يقف بعضهم ضد بعض ، ويلعن بعضهم بعضا ويتبرأ منه ، ولم يكتفوا بذلك ، بل شهروا السلاح فيما بينهم ، وسفكوا الدماء الكثيرة ، وكانت هذه الأحداث نتيجة الانحراف عن أصل التوحيد ودين الله الحق . جملة " تقطعوا " - من مادة قطع - بمعنى تفريق القطع المتصلة بموضوع واحد ، وإذا لاحظنا أنها جاءت من باب ( تفعل ) الذي يأتي بمعنى القبول ، فإن معنى
--> 1 - نهج البلاغة . الرسالة 31 .