الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

192

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يسأل من الأصنام المحطمة الأيدي والأرجل عمن فعل بها ذلك ، لا من الصنم الكبير ، لأن ضمير ( هم ) ، وكذلك ضمائر " إن كانوا ينطقون " كلها بصيغة الجمع ، وهذا أنسب مع التفسير الأول ( 1 ) . لقد هزت كلمات إبراهيم الوثنيين وأيقظت ضمائرهم النائمة الغافلة ، وأزاح الرماد عن شعلة النار فأضاءها ، وأنار فطرتهم التوحيدية من خلف حجب التعصب والجهل . في لحظة سريعة استيقظوا من هذا النوم العميق ورجعوا إلى فطرتهم ووجدانهم ، كما يقول القرآن : فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ( 2 ) فقد ظلمتم أنفسكم ومجتمعكم الذي تنتمون إليه ، وكذلك ساحة الله واهب النعم المقدسة . والطريف في الأمر أننا قرأنا في الآيات السابقة أنهم اتهموا إبراهيم بكونه ظالما ، وهنا قبلوا واعترفوا في أنفسهم بأن الظالم الأصلي والحقيقي هو أنفسهم . وفي الواقع فإن كل مراد إبراهيم من تحطيم الأصنام تحطيم فكر الوثنية وروح الصنمية ، لا تحطيم الأصنام ذاتها ، إذ لا جدوى من تحطيمها إذا صنع الوثنيون العنودون أصناما أكبر منها وجعلوها مكانها ، وتوجد أمثلة كثيرة لهذه المسألة في تأريخ الأقوام الجاهلين المتعصبين . إلى الآن استطاع إبراهيم أن يجتاز بنجاح مرحلة حساسة جدا من طريق تبليغه الرسالة ، وهي إيقاظ الضمائر عن طريق إيجاد موجة نفسية هائجة . ولكن للأسف ، فإن صدأ الجهل والتعصب والتقليد الأعمى كان أكبر من أن يصقل ويمحى تماما بنداء بطل التوحيد .

--> 1 - إضافة إلى أن ضمير كبيرهم مع البقية متشابه . 2 - احتمل بعض المفسرين أن يكون المراد من * ( فرجعوا إلى أنفسهم ) * أنهم تحدثوا بينهم عن ذلك الكلام ، ولام بعضهم بعضا . إلا أن ما قلناه يبدو هو الأصح .