الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

193

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وللأسف لم تستمر هذه اليقظة الروحية المقدسة ، وثارت في ضمائرهم الملوثة المظلمة قوى الشيطان والجهل ضد نور التوحيد هذا ، ورجع كل شئ إلى حالته الأولى ، وكم هو لطيف تعبير القرآن حيث يقول : ثم نكسوا على رؤوسهم ومن أجل أن يأتوا بعذر نيابة عن الآلهة البكم قالوا : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فإنهم دائما صامتون ، ولا يحطمون حاجز الصمت . وأرادوا بهذا العذر الواهي أن يخفوا ضعف وذلة الأصنام . وهنا فتح أمام إبراهيم الميدان والمجال للاستدلال المنطقي ليوجه لهم أشد هجماته ، وليرمي عقولهم بوابل من التوبيخ واللوم المنطقي الواعي : قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم ؟ فماذا تنفع هذه الآلهة المزعومة الخيالية التي لا قدرة لها على الكلام ، وليس لها شعور وإدراك ، ولا تقدر أن تدافع عن نفسها ، ولا تستطيع أن تحمي عبادها ، ولا يصدر عنها أي عمل ؟ إن عبادة معبود ما إنما يكون لأهليته للعبادة ، ومثل هذا الأمر لا معنى له في شأن الأصنام الميتة ، أو يعبد رجاء فائدة ونفع تعود عليهم من قبله ، أو الخوف من خسارتهم ، إلا أن إقدامي على تحطيم الأصنام أوضح أنها لا تملك أدنى حركة ، ومع هذا الحال ألا يعتبر عملكم هذا حمقا وجهالة ؟ ! ووسع معلم التوحيد دائرة الكلام ، وانهال بسياط التقريع على روحهم التي فقدت الإحساس ، فقال : أف ( 1 ) لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ؟ إلا أنه لم يلح في توبيخهم وتقريعهم لئلا يلجوا في عنادهم . في الحقيقة ، كان إبراهيم يتابع خطته بدقة متناهية ، فأول شئ قام به عند دعوتهم إلى التوحيد هو أن ناداهم قائلا : ما هذه التماثيل التي تعبدونها ؟ وهي

--> 1 - بحثنا في معنى أف بصورة أكثر تفصيلا في ذيل الآية ( 23 ) من سورة الإسراء .