الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
172
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
نفسها من العذاب ، ولا تكون مصحوبة بتأييدنا ورحمتنا . ثم أشارت الآية التالية إلى أحد علل تمرد وعصيان الكافرين المهمة ، فتقول : بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر إلا أن هذا العمر الطويل والنعم الوفيرة بدل أن تحرك فيهم حس الشكر والحمد ، ويطأطأوا رؤوسهم لعبودية الله ، فإنها أصبحت سبب غرورهم وطغيانهم . ولكن ألا يرى هؤلاء أن هذا العالم ونعمه زائلة ؟ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ؟ فإن الأقوام والقبائل تأتي الواحدة تلو الأخرى وتذهب ، وليس للأفراد الصغار والكبار عمر خالد ، والجميع سيصيبهم الفناء ، والأقوام الذين كانوا أشد منهم وأقوى وأكثر تمردا وعصيانا أودعوا تحت التراب ، وفي ظلام القبور ، وحتى العلماء والعظماء الذين كان بهم قوام الأرض قد أغمضوا أعينهم وودعوا الدنيا ! ومع هذا الحال أفهم الغالبون ؟ وقد اختلف المفسرون في المراد من جملة إنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها : 1 - فقال بعضهم : إن المراد هو أن الله ينقص تدريجيا من أراضي المشركين ويضيفها على بلاد المسلمين . إلا أنه بملاحظة كون هذه السورة نزلت في مكة ، ولم يكن للمسلمين تلك الفتوحات ، فإن هذا التفسير يبدو غير مناسب . 2 - وقال بعض آخر : إن المقصود هو خراب وانهدام الأراضي بصورة تدريجية . 3 - وبعض يعتبرونها إشارة إلى سكان الأرض . 4 - وذكر بعض أن المراد من أطراف الأرض هو العلماء خاصة . إلا أن الأنسب من كل ذلك ، أن المراد من الأرض هو شعوب بلدان العالم المختلفة ، والأقوام والأفراد الذين يسيرون نحو ديار العدم بصورة تدريجية ودائمة ، ويودعون الحياة الدنيا ، وبهذا فإنه ينقص دائما من أطراف الأرض .