الشيخ حسن المصطفوي
177
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
والثانية : في مقام قدح الإنسان وذمّه وكونه غافلا عن عاقبة أمره ، وأنّ السرائر تنكشف في الآخرة . والثالثة : في مقام الإشارة إلى فناء عوالم المادّة ، ورفع الحجب والتعلَّقات وظهور الحقائق . وأمّا تفسير الآيات الكريمة بناء على أنّ القبر بمعناه المتفاهم العرفي وأنّ البعث إنّما يقع متعلَّقا على ما فيه : فنقول : 1 - البدن بتمام أعضائه وأجزائه وقواه : فانية تحت حكومة الروح وإرادته فناء تاما كاملا بحيث لا يرى منه حركة ولا عمل ولا سكون إلَّا بحكمه وإرادته ، وهذا الفناء والطاعة بمرتبة قويّة يقرب من الاتّحاد وينفى الاثنينيّة والخلاف ، ويكون البدن مورد خطاب ومواجهة وعتاب وتكليف وتشويق ومجازات ، وهذا المعنى بالغ في العرف إلى حدّ النهاية ، حتّى اشتبه وجود الروح على من له نظر سطحىّ عرفىّ فقط . 2 - هذا الفناء التامّ قد أوجب اختصاصا ومزيد ارتباط ، وتعلَّق تشريف وتكريم وتعظيم ، بل وسراية جلال وعظمة وكمال وبهاء ونورانيّة من مقام الروح إلى البدن الفاني . وهذا أمر طبيعىّ قهرىّ في كلّ ما يفنى ويخضع في قبال شيء آخر ، كما أنّ العبد إذا بلغ إلى مقام الفناء والعبوديّة التامّة : يلحق به من آثار الربّ وجلاله وجماله ونورانيّة صفاته بمقتضى سعة استعداده . وورد في محكمات الحديث : إنّ العبد لَيتقرّبُ إلىّ حتّى أكونَ سمعَه وبصرَه ويدَه ، يَقول لشيء كُن فيكون - وما رَميتَ إذ رميتَ ولكنّ ا للهَ رَمى . 3 - البدن الفاني في الروح تلحقه آثار من مقامه وخصوصيّاته ، كمالا أو ضعفا ، وحسنا أو قبيحا ، نورا أو ظلمة ، فالبدن مظهر صفات الروح ومجلى مقاماته عالية أو سافلة ، ومجرى تمايلاته ومقاصده ، وليس له إلَّا ما يريد الروح وما