الشيخ حسن المصطفوي

107

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

فالقوّامية للرجال لا بّدّ أن تكون باقتضاء استعداد فطرىّ وفضيلة مخصوصة لهم من هذه الجهة . وكذلك الرسالة من الله تعالى والخلافة منه لا يمكن تحمّلها إلَّا بعد تحقّق فضيلة ذاتيّة خاصّة واستعداد مخصوص روحىّ ، ليحصل مقام الفناء التامّ والإخلاص الكامل ، وينمحى آثار الأنانيّة والنفسانيّة بالكليّة ، حتّى يستطيع أن يدعو الناس إلى الله عزّ وجلّ لا إلى نفسه ، ويبيّن أحكامه من دون تسامح . ولا يخفى أنّ الفضيلة في كلّ موضوع بحسب اقتضاء المورد وبمناسبة الوظيفة المتوجّهة اليه من جانب الله عزّ وجلّ ، وأمّا الاستعداد في مقام الرسالة : فهو مطلق في الجملة ومنبسط ومتّسع ، فانّ الرسالة خلافة من الله تعالى في أرضه ، والرسول حجّة الله على خلقه ، فلا بدّ أن يتّصف بصفات الله الحميدة . ويدلّ على اختلاف الاستعدادات باختلاف المقامات : قوله تعالى : تلك الرّسل فضّلنا بعضهم على بعض ، فانّ الرسل إذا كانوا مختلفين من جهة الفضيلة والاستعداد الذاتىّ ، على حسب مأموريّتهم واختلاف طبقاتهم : فالاختلاف في سائر الطبقات يكون بطريق أولى . وأمّا النهى عن تمنّى الفضل الَّذى يؤتى من جانب الله : فان الفضل الإلهىّ الابتدائىّ خارج عن اختيار العبد ، ولا يحصل بالطلب والتمنّى ، فانّه على حسب الحكمة والتدبير واقتضاء النظم والتقدير . وأمّا الفضل الإلحاقىّ الثانوىّ : فلا بدّ من أن يكون تحقّقه في أثر الأعمال الصالحة والنيّات الخالصة والمجاهدات الحقّه المستمرّة ، فللعبد أن يتوسّل إلى هذه الوسائل والمقدّمات ، وهذا معنى قوله تعالى - ولا تتمنّوا . . . الآية . وأيضا إنّ الأجر لكلّ عمل محفوظ مضبوط عند الله تعالى ، وكلّ فرد ذكرا أو أنثى يأخذ نصيبه من مجاهدته على حسب مقامه وبمقتضى فطرته وفي محدودة استعداده الموجود له فعلا . ثمّ إنّ الفضل الثانوىّ من الله عزّ وجلّ يلحقه بحسب اقتضاء الحال وبمقتضى لسان السؤال حالا ومقالا - واسألوا الله من فضله .