الشيخ حسن المصطفوي

108

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

لا يقال إنّ الفضائل الذاتيّة الابتدائية لقوم دون آخرين توجب اعتراضا وانزجارا وسؤالا من جانب هؤلاء الَّذين فضّلوا عليهم ، بأن هذا على خلاف العدل واللطف والمساواة . فيقال أوّلا - إنّ هذا اعتراض على الخلقة من الله عزّ وجلّ ، والخلقة إنّما هي بسط الرحمة وتجلَّى الفيض وإفاضة النور ونشر الجود والكرم ، والإفاضة لا بدّ وأن يتحقّق على مقتضى الصلاح وبحسب النظم والتقدير والتدبير من جانب المفيض الخالق ، لا باللغو وبالعبث والهرج . فهو تعالى لا يسأل عمّا يفعل بمقتضى حكمته التامّة وتدبيره الكامل . وثانيا - إنّ هذا الأمر اختلاف في آيات الله التكوينيّة ، والحكمة تقتضي اختلافا في التكوين وتنوّعا في مراتب الخلقة جنسا أو نوعا أو صنفا أو شكلا أو مرتبة ، كما يرى ذلك في الخارج من الموجودات - . * ( وَمِنْ آياتِه ِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ ) * - 30 / 22 فوجود المراتب قوّة وضعفا وتحقّق الاختلاف جنسا ونوعا : من آيات العلم والقدرة والحكمة ، ومن آثار الكمال في النظم ، والتماميّة في الخلقة ، فليس الأحد في أىّ مرتبة كان أن يسأل بلسان الاعتراض عن مرتبة تكوينه وكيفيّة خلقته . فانّ في كلّ مرتبة عالية بالنسبة إلى السافلة : فضل وفيض ولطف زائد ، فكل موجود له نصيب من الجود والإفاضة الالهيّة قليلا أو كثيرا بحسب التقدير والحكمة ، وهو العليم الحكيم . وثالثا - قلنا إنّ الاستعدادات مختلفة ، ويدلّ عليها اختلاف الأفراد من جهة الصفات الباطنيّة الذاتيّة الحميدة ، كالقناعة والخضوع والرأفة والجود والشجاعة والعفو والمحبّة والرضا والتوجّه إلى اللَّه والتوكَّل والانقطاع والتواضع وغيرها . فالتفوّق في جهة فضل تكوينىّ إلهىّ يساعد على السلوك الروحانىّ ، إن