الشيخ حسن المصطفوي

68

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

ويذكر مادّة العذاب في القرآن الكريم في مورد العقوبة ، قريبا من 370 موضعا ، إشارة إلى عدل ولطف من الربّ الكريم ، فانّه لا يجزى المسيئين الَّا بمقدار استحقاقهم ، ولا يعاقبهم الَّا بما تقتضيه سريرتهم . فيظهر لطف التعبير بالكلمة في مقام مجازات المسيئين : فانّ اللَّه تعالى لا يجازيهم بعقوبة شديدة مغايرة عنهم وعن سيّئاتهم ، بل بما يرتبط بأعمالهم وتقتضيه حالاتهم وسريرتهم ، فكأنّهم يطلبونه بلسان حالهم . وبمناسبة مفهوم العذب : تستعمل في الطيب والمساغ والبرد . وبمناسبة مفهوم العذاب : تستعمل في الايجاع والشدّة والضرب والعقاب والحبس ونظائرها . وأمّا قولهم عذب أي لم يأكل من شدّة العطش : يراد أنّ هذه حالة تلائم طبعها وتقتضيها جريان عطشها المكنون فيه . وأثرها الامتناع من الأكل . ويقرب منه الترك والكفّ والانتهاء . فيلاحظ في كلّ منها التطابق بين الحالة والطبيعة الفعليّة ، لا مطلق هذه المفاهيم وتلاحظ هذه الحيثيّة في مفهوم الطرف من كلّ شيء فيه حدّة بحسب اقتضاء طبعه . وفقدان الستر : رجوع إلى الحالة الطبيعيّة . فالعذاب في نفسه ليس فيه دلالة على حدّة وشدّة ، بل هو على اقتضاء الطبيعة وبما يلائمها ويوافقها ، وعلى هذا يتّصف بصفات - الأليم ، العظيم ، الأكبر ، المهين ، الشديد ، المقيم ، الحريق ، السيّئ ، وغيرها ممّا يقتضيه الحال والمقام - عذاب أليم ، عذاب مقيم . ومع هذا : فإجراء العذاب أيضا بيده تعالى : * ( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَا للهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * - 3 / 129 . * ( يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْه ِ تُقْلَبُونَ ) * - 29 / 21 . * ( لِيَجْزِيَ ا للهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ ) * - 33 / 24 . * ( عَذابِي أُصِيبُ بِه ِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) * - 7 / 156 . فالعذاب بمقتضى طبيعة المسئ وعلى ما يلائمها ، كما أنّ الرحمة بمقتضى صفاته الذاتيّة عزّ وجلّ .