الشيخ حسن المصطفوي
148
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
وهذا هو من مصاديق العصر ، ويدلّ على هذا المعنى جملة - . * ( وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) * - في خاتمة السورة ، أي التحمّل على الأذى والتّصبر والاستقامة على الحقّ وفي الحقّ . ولا يخفى أنّ العصر منشأ كلّ خير وسبب كلّ صلاح وفلاح ، ولا ينال أحد مرتبة رفيعة الَّا بالعصر ، فانّ الاعتصار هو الموجب لاتّخاذ العصارة والخالص الصافي من كلّ شيء ، في أمور مادّيّة أو معنويّة . وقد ورد - أنّ أشدّ الناس ابتلاء الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل . فانّ التبتّل عن الناس والزهد في الدنيا والنزوع عن شهواتها والسلوك خلاف مسالك العامّة في العمل والآداب والرسوم والأفكار والأخلاق والعشرة : يجرّ أنواعا من الابتلاءات والتضيّق . مضافا إلى اعتصار اختياريّة بسبب مجاهدات ورياضات في طريق السلوك إلى مقصده - ومن طلب العلى سهر الليالي . وفي هذا العصر : اعتصار آخر من جهة الزمان وهو زمان النبىّ ( ص ) ، فهم في نعمة على نعمة وتوفيق من اللَّه عزّ وجلّ على توفيق ونور على نور ، يهدى اللَّه لنوره من يشاء ، ولا توفيق أعلى من هذا . فظهر أنّ خسران الإنسان في سلوكه على اقتضاء الجريان الطبيعىّ المادّى من دون أن يتوجّه إلى جهة روحانيّته ومعنويّته - حتّى يقع في مضيقة مادّيّة واعتصار ، بسبب الزهد والتقوى في الدنيا . فالاعتصار انّما يحصل بحقيقة - آمنوا وعملوا الصالحات . أي تحقّق الايمان القاطع ، والأعمال الصالحات خالصة . * ( وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ) * - 78 / 14 يراد نزول المطر من السحائب ، فانّ السحاب يتشكَّل من تبخير المياه ، والبخار بسبب الخفّة في وزنه يتصاعد في الهواء ، إلى أن يصل إلى طبقات لطيفة باردة من الجوّ ، فيتجمّع وينضغط ويحصل له الانعصار قهرا ، وحينئذ تثقل ذرّات البخار وتكبر ، وهذا يوجب نزوله وسقوطه على صورة قطرات المطر .