الشيخ حسن المصطفوي

147

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

هو زمان مخصوص منتخب قد اعتصر من سابقه وهو خلاصة ممّا مضى وعصارة منه ، ففيه عصر وامتياز خاصّ ، ولا يطلق على مطلق الزمان والحين والنهار والدهر وغيرها . فزمان العصر وهو آخر النهار ، وهو وقت محدود مضيّق باق من امتداد النهار ، فيسرع إلى إتمام الأعمال اليوميّة وتكميلها فيه ، ليتحصّل المطلوب من جريان الحركات اليوميّة . وهكذا زمان يبعث فيه نبىّ ليهدى الناس إلى السعادة والكمال كما في بعثة نبيّنا ( ص ) ، فانّ زمانه كأنّه قد اعتصر من امتداد الجاهليّة ، وهو زمان خاصّ ممتاز فيه يتّخذ المطلوب . وبهذا الاعتبار يصحّ إطلاقه على الغداة والعشىّ : فانّ الغداة يبتدء فيه العمل والحركة اليوميّة ، وفي العشىّ ابتداء البرنامج في الليل . وإذا اطلق على زمان من دون لحاظ قيود الأصل : فهو تجوّز . وأمّا مفاهيم الالتجاء والمنع والدفع والحبس : فلا يخفى ما فيها من تحقّق عصر وضغط إلى أن يستنتج . والفرق بين العصر والضغط : أنّ الضغط يلاحظ فيه العصر والتضييق والزحمة من دون نظر إلى استحصال مطلوب . * ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) * - 103 / 2 هذه السورة المباركة نزلت في مكَّة حين شدّة الابتلاء بتعرّض الأعداء من قريش ، وفي زمان اشتدّت العداوة والبغضاء والضغطة منهم على النبىّ ( ص ) والمسلمين ، وذلك لتوغَّلهم في الحياة الدنيا والشهوات والانحرافات الفكريّة والعملية ، ويشار إلى هذا في السورة قبلها - ألهيكم التكاثر ، وفيما بعدها - ويل لكلّ همزة لمزة الَّذى جمع مالا وعدّده . فكان المسلمون يطلبون الحقّ ويسلكون إلى الحقيقة ويعملون الصالحات ويتواصون بالحقّ ويتواصون بالصبر كما في السورة . فهم فيما بين هؤلاء الكفّار يتحمّلون الشدائد والأذى والتعدّى وكانوا في اعتصار في المعيشة الظاهريّة وفي ضغطة منهم .