الشيخ حسن المصطفوي

245

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

ولكلّ من هذه الأمور النافية للغفران مراتب شدّة وضعفا ، وكلَّما اشتدّت مرتبة : اشتدّ انتفاء الصلاحيّة والاقتضاء فيها لتوجّه المغفرة والرحمة وشمولها . وأمّا الغفور والغفّار والغافر : فمن أسماء الله عزّ وجلّ ، وتختلف خصوصيّات مفاهيمها باختلاف صيغها ، فالغافر يدلّ على من يقوم به المغفرة . والغفّار فيه مبالغة وكثرة . والغفور ، فيه دلالة على ثبوت في الاتّصاف بالمغفرة . وكلّ منها يستعمل في مورد يناسبه ويقتضيه - فراجع موارد استعمالاتها . والمغفرة من الله تعالى بمقتضى صفته الرحمة ، وكما أنّ رحمته سبقت غضبه : فمغفرته أيضا سبقت أخذه ومجازاته . وعلى هذا يذكر اسم الرحيم مقارنا للغفور في 72 موردا . وقد يذكر أسماء - الحليم ، الشكور ، العفوّ ، العزيز : مقارنا له على حسب ما يقتضيه المورد . فظهر أنّ الغفران هو السابق الأصيل الثابت في الله المتعال ما دام الاقتضاء في المحلّ موجودا ، سواء كان مستحقّا له أم لا ، كما في تعلَّق الرحمة . إلَّا إذا انتفى الاقتضاء كما قلنا . وهذا المعنى يشار اليه بقوله تعالى : * ( إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوه ُ يُحاسِبْكُمْ بِه ِ ا للهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) * - 2 / 284 فيغفر بحسب رحمته وحلمه وعفوه ، ما دام لم ينتف اقتضاء المغفرة ، وإذا انتفى الاقتضاء بل وجد اقتضاء العذاب : فيعذّب . وسبحانه وتعالى عن أن يعذّب من دون جهة ملزمة صالحة ، فإنّ مشيّته على مقتضى الحكمة والعدل والصلاح راجع الشيء . غفل مصبا ( 1 ) - الغفلة : غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكَّره له ، وقد استعمل فيمكن تركه إهمالا وإعراضا ، يقال منه : غفلت عن الشيء غفولا من باب قعد ، وله ثلاثة مصادر : غفول ، وهو أعمّها . وغفلة ، وغفل . وغفّلته تغفيلا : صيّرته كذلك ،

--> ( 1 ) مصباح اللغة للفيوميّ ، طبع مصر ، 1313 ه‍ .