الشيخ حسن المصطفوي

168

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وهذه المحجوبيّة : هي الموجبة للتكذيب : * ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) * . فمرجع تكذيبهم إلى كونهم محجوبين ، ويتحصّل الحجاب من رؤية النفس ثمّ التمايل إلى الحياة الدنيا ثمّ الغفلة الكاملة . ويقابل هذه المحجوبيّة : ظلّ التقوى عن غير اللَّه عزّ وجلّ : * ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ) * - 77 / 41 في السورة . فانّ من اتّقى : يدخل في عالم النور ويستقرّ تحت ظلّ الرحمة واللطف والفيوضات الرّبانيّة ، ويستفيض عن عيون المعارف الإلهيّة . * ( وَلِلَّه ِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ ) * - 13 / 15 أي يسجدون وظلالهم ، والمراد من الظلال آثار وجودهم وما يترشّح ويظهر عن شخصيّاتهم وما يتراءى منهم ، فانّها في تمام الخلوص وكمال الصفاء ، لا يرى فيها أثر من الأنانيّة . والسجود فيهم بالطوع أو بالكره . وأمّا في الظلال فبالكره فقط في جهة الظلَّيّة . وهذا فانّ مراتب الوجود قاطبة خاضعة في قبال عظمة اللَّه وإرادته ومشيّته ولا يجرى في عالم الوجود إلَّا ما يشاء بما يشاء كيف يشاء . ولا يخفى أنّ مراتب الوجود بجملتها أظلَّة لنور اللَّه الواجب الدائم العزيز ، وكذلك عالم الجسم ظلال عالم العقل والروح ، كما أنّ البدن ظلّ للروح ، وقال تعالى : * ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ ا للهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُه ُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّه ِ وَهُمْ داخِرُونَ ) * - 16 / 48 التفيّؤ : اختيار الرجعة والتحوّل . والدخر : الصغار والذلّ من حيث هو وفي نفسه - راجع الدخر . فتدلّ الآية الكريمة على رجوع الظلال من كلّ مخلوق إلى حالة السجود والذلّ للَّه العزيز ، وتحقّق الانقهار والصغار والخضوع التامّ له تعالى .