الشيخ حسن المصطفوي
98
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
أي لم أكن في ما مضى على حالة عناء وكلفة ومضيقة عند طلب ربي ودعوته ليتحقّق الاستجابة والتوجّه إليّ . وأرجو فيما يأتي أيضا أن أكون كذلك ، وأن أدعوه في حالة إقبال وتوجّه واشتياق تقتضي الخير والصلاح . ولا يخفى أنّ الحالة المقتضية للخير المسمّاة بالسعادة ، فطريّة أو مكتسبة : أعظم مقدّمة وأوسع مقام للسلوك إلى النجاح والفلاح والكمال . كما أنّ الحالة المقتضية للمضيقة والمحدوديّة والعناء ، فطريّة أو مكتسبة : أشدّ سبب للخيبة والضلال . ثمّ إنّ للشقاء مراتب ، كما أنّ للسعادة مقامات ، وأوّل مراتب الشقاء إذا غلبت جهة الشقاء على السعادة ، كما أنّ أوّل مقامات السعادة إذا غلبت جهة السعادة على الشقاء ، ومنتهى درجة كلّ منهما إذا انعدمت الجهة المقابلة وبقيت تلك الجهة خالصة بلا تزاحم . وهذه المراتب في المكتسبة منهما صحيحة متحقّقة ، فتنتهي الشقاوة إلى درجة يصدق فيها قوله تعالى - . * ( خَتَمَ ا للهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ) * . وأمّا الفطريّة : فلا يمكن أن تنتهي إلى تلك الدرجة ، وإلَّا لم يصحّ تعلَّق التكليف الإلهيّ ، لعدم اقتضاء الحالة الشقيّة الصرفة أن توجّه إلى خير وفلاح . وأيضا إنّ الخلق والتكوين لازم أن يكون خيرا في نفسه ، فانّ التكوين فيض وظلّ من رحمته وأثر من تجلَّي صفاته وظهور من إحسانه ، ولا يمكن ظهور شرّ من حيث هو وفي نفسه من مبدأ الجلال والجمال والرحمة . وتوضيح ذلك : أنّ تلك المراتب في الشقاء مفروضة إذا نسبت إلى ما فوقها وأمّا إذا فرضت في أنفسها ومن حيث هي : فلا يكون شرّ فيها ، فانّ مراتب الخير تكون مختلفة بحسب الشدّة والضعف ، كما في الظروف المختلفة سعة وضيقا ، فكلّ منها في نفسه مطلوب وفي مورده خير ومستحسن - . * ( فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ) * ، * ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناه ُ بِقَدَرٍ ) * ، * ( ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ) * . شكر مصبا ( 1 ) - شكرت اللَّه : اعترفت بنعمته وفعلت ما يجب من فعل الطاعة وترك
--> ( 1 ) مصباح اللغة للفيوميّ ، طبع مصر ، 1313 ه .