الشيخ حسن المصطفوي
123
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
الكتاب : ما يضبط ويندرج فيه حقائق المراتب ، ومقدّرات ثابتة من شخص ، سواء كان مادّيّا أو روحانيّا ، ففي كلّ شيء بحسبه . وقلنا إنّ اليمين والشمال جهتان متقابلتان إمّا محسوستين أو معقولتين ، والمفهوم الجامع هو طرفا الإنسان ذوا قوّة وضعف ، وفيهما بركة أو انكسار ، فيكون المراد من إيتاء الكتاب باليمين أو اليسار : إيتاؤه وإلحاقه إلى جانب فيه بركة وقوّة ، أو إلى جانب فيه ضعف وانكسار . فمن يكون كتابه وما ضبط في صحيفة أعماله مرتبطا بجانب الشمال ويؤخذ بيد شماليّ ضعيف متزلزل ، فيقول : يا ليتني لم أوت كتابيه . * ( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ) * - 7 / 17 . صيغ الجمع باعتبار انطباق الإتيان على الأفراد . وأمّا الخلف فمفهوم واحد يتساوى فيه الجميع . وأمّا التعبير في الأوّلين بحرف من وفي الآخرين بحرف عن : فانّ المراد من بين الأيدي والخلف ، هو المراحل الَّتي في مستقبل السلوك والمنازل الاخرويّة والمقامات المتوقّعة في سير الإنسان إلى السعادة والكمال . ويراد من الخلف : ما مضى وتقدّم وانصرم في ذلك السلوك الحقيقيّ أو ما يكون كالمنصرم الماضي ، من منازل الطبيعة ومشاهد العالم المادّيّ والأيّام الَّتي خلت أو تخلو عن قريب من الحياة الدنيا والعيش البدنيّ الظاهريّ ، بل وجميع ما يتعلَّق بتلك الحياة الدنيويّة في قبال الحياة الروحانيّة ، فانّ السالك إذا لوحظ من حيث هو وبالنظر إلى سلوكه المطلق : يكون عوالم الروحانيّة والنورانيّة فيما بين أيديه ، وعوالم المادّيّة والظلمانيّة خلفه . وأمّا الأيمان والشمائل : يراد ما يقع في جانبي مسير السلوك من حيث هو ، فيشمل كلّ ما يرتبط بالسالك في طول سلوكه وما يتعلَّق به . ولمّا كان سير الإنسان إلى الكمال معنويّا : فيكون ما يتراءى منه في ذلك السير من قول أو عمل أو رأي ، صالحا أو طالحا معنويّا أيضا . فما في أيمان السائرين إلى اللَّه تعالى والى الآخرة : هو العمل الصالح والقول الصدق والرأي الحقّ ، وهي الَّتي توجب قوّة وبركة . وما في شمائلهم : هو ما يقابل الحقّ والصلاح من إثم وخطأ وعصيان ، وهي