الشيخ حسن المصطفوي
84
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
أنوار الجمال والجلال والعظمة ، والواصل إلى ذلك المقام المنتهي اليه هو في حال السدرة ، والمستغرق في النور والبهاء اللَّاهوتيّ . فالسالك إذا وصل إلى هذا المقام : غفل عن نفسه ونسي وجوده واضمحلّ تحت بارقة جلال اللَّه المتعال وسدرت عينه بمشاهدة نور الجمال ، وصار حيران في سكر وصحو وهيمان . والمرتبة الثانية والأولى من السدرة : إنّما تظهر بالموت عن الطبيعة والإدبار عن المادّة والإقبال إلى اللَّه عزّ وجلّ ، وكلَّما ازداد الإقبال والتوجّه واشتدّ الارتباط والإخلاص : ازدادت الحيرة والسدرة . والسدرة فعلة تدل على نوع من السدر ، وهو السدر في المقام الروحانيّ . * ( وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) * - 56 / 28 . وينبغي التنبيه هنا على أمور : 1 - امتياز أصحاب اليمين من أصحاب الشمال إنّما يتحقّق بعد الموت عن عالم الطبيعة طبيعيّا أو اختياريّا ، فما لم يتجاوز عن هذا العالم لا يتحصّل بينهما افتراق ، لاشتراكهما في التعيّش المادّيّ . 2 - إذا انقضت الحياة الدنيويّة ، وظهرت الحياة الاخرويّة : كان الناس على صنفين ، إمّا مبتهجة بعالم الآخرة ، ونفسه متلائمة بما فيها : فهو من أصحاب اليمين . وإمّا غير متلائمة لما اجترحت من سيّئات الأعمال واتصفت برذائل الصفات وتعلَّقت بعلائق مادّيّة : فهو من أصحاب الشمال . فان تلك الحياة ميمونة على الفرقة الأولى دون الثانية . 3 - الالتذاذات والتغذّي في عالم الآخرة مغايرة لما في الحياة الدنيا : لموت البدن وقواه وحواسّه وجهازاته وجوارحه ، فانّ حاسّة البصر إذا افتقدت لا يمكن للإنسان الإبصار . وجهاز الهضم إذا مات لا يمكن له التغذّي . والبدن إذا انقطع عن النفس كيف يصحّ جريان أموره وقواه . فالالتذاذات في عالم الآخرة تغاير الحياة الدنيا ، وكذلك القوى المدركة وسائر أمورها . 4 - البحث عن خصوصيّات عالم الآخرة : غير صحيح ، لأنّها لا تدرك بهذه