الشيخ حسن المصطفوي
62
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
* ( وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ) * - 93 / 2 . الضحى كمال النور بارتفاع الشمس ، ويقابله : الليل في حالة تماميّته وبلوغه إلى الثبوت والاستقرار التامّ . وهذا التعبير إشارة إلى غاية ارتفاع النور وكماله إلى أن ينتهي إلى غاية الانخفاض . ولا يخفى أنّ ظهور آثار الرحمة والنعمة وتجلَّي أشعّة الفيوضات المادّيّة إنّما يتمّ ويكمل في ساعات الضحى ، كما أنّ خفاءها ومستوريّتها بالتمام إنّما يتحقّق في زمان سكون الليل واستقرار الظلمة . وجريان العيش والحياة المادّيّة إنّما يوجد في امتداد هذين الأمرين ، ولا يتصوّر التجاوز والخروج عن هذا الخطَّ . ففي هذا التعبير إشارة إلى أنّ مراتب الشمس والحياة إنّما هي تحت سلطته وحكمه ومشيّته وبيده ، فيستنتج - . * ( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) * . وإذا أريد من الضحى والليل مفهوماهما العامّان ، أي مطلق النور والظلمة مادّيين أو معنويين : فتشمل الآية الكريمة جميع الجريان في الحياة الظاهريّ والمعنويّ ، وجميع مراتب العوالم والخلق . ويؤيّد هذا التعميم : قوله تعالى - . * ( وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ) * . فينطبق الضحى على عالم العقل والنور المجرّد ، والليل على عالم المادّة والطبيعة ، وبينهما متوسّطات من العوالم المتوسّطة - راجع - سجد وظلّ . ولا يخفى أنّ المراد من الضحى واللَّيل في هذه الصورة : مطلق النور التكوينيّ والوجود المنبسط على مراتبه المترتّبة . سحب مقا ( 1 ) - سحب : أصل صحيح يدلّ على جرّ شيء مبسوط ومدّه ، تقول سحبت ذيلي بالأرض سحبا ، وسمّي السحاب سحابا تشبيها له بذلك ، كأنّه ينسحب في الهواء انسحابا ، ويستعيرون هذا فيقولون تسحبّ فلان على فلان ، إذا اجترأ عليه
--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه .