الشيخ حسن المصطفوي

53

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وأمارة هذا المفهوم قد تكون بالإظهار القوليّ ، أو بالإظهار العملي كالسجدة الشرعيّة وغيرها ، أو بخضوع القلب وتسليمه بحيث تظهر آثاره في الجوارح ، أو بالانقياد والطاعة عن جريان الطبيعة والتكوين . فهذه الحقيقة إنّما يتحقّق مفهومها أوّلا وبالذات في الطبيعة والتكوين والفطرة ، سواء كانت عن علم أو عن إرادة أو إختيار أم لا ، فالاختيار والعلم والتوجّه إنّما هي خارجة عن الحقيقة من حيث هي ، فانّ الإرادة والاختيار من المقدّمات ، والعلم والتوجّه من الملحقات المؤخّرات . فحقيقة مفهوم السجود من حيث هو هو : إنّما يتحقّق وجوده من دون أن يتوقّف إلى أمر آخر ، وهذا المعنى في جميع المراتب واحد وثابت . نعم تختلف مراتبه بالشدّة والكمال والضعف : من جهة انضمام المعرفة والتوجّه والعلم والإرادة والاختيار والحبّ والشوق ودرجات الخضوع . كما أنّ التسبيح الذاتيّ والنظم العامّ في ذوات الموجودات وأثر الحكمة والرحمة في جميع مراتب الوجود متحقّقة ثابتة ، من غير حاجة إلى اظهار بقول أو عمل . فظهر أنّ خضوع الموجودات في مقابل التقدير الإلهيّ وتسليمها في قبال قانون التكوين والخلق وإطاعتها ذاتاً عن الحكمة : هو حقّ السجود . فإظهار الخضوع بالقول أو بالعمل من دون تحقّق مفهومه في القلب : خارج عن حقيقة السجود - . * ( إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِه ِ وَيُسَبِّحُونَه ُ وَلَه ُ يَسْجُدُونَ ) * - 7 / 206 . فالسجود يلازم التسبيح والتنزيه عن جهات النقص والحدّ والضعف ، ويتحقّق بعد نفي الاستكبار والأنانيّة ، وظهور حقيقته في مرحلة العبوديّة . نعم بحقيقة السجود يرتفع الاستكبار والحجب النفسانيّة بين العبد والربّ تعالى ، ويتحصّل كمال الخضوع والعبوديّة والفناء - . * ( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) * . وفي هذه المرحلة : يتحقّق الخضوع التامّ للنفس وقواه والجوارح والبدن وجميع متعلَّقاته الَّتي تظهر من وراء النفس ، وهذا هو المراد من الظلال في الآية الكريمة - . * ( وَلِلَّه ِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ ) * - 13 / 15 ، كما ورد في